منذ بدء الأزمة السورية عام 2011، تحول الإعلام إلى أدوات الصراع السياسي والعسكري والاجتماعي. فالمعارك لم تقتصر على الجبهات، وإنما امتدت إلى شاشات التلفزة، والمواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل الافتراضي، حيث أصبحت الرواية الإعلامية جزءاً من الصراع على السلطة والنفوذ وكسب الرأي العام.
خطاب الدولة وصناعة الرواية الواحدة
مع سقوط النظام السوري السابق في الثامن من كانون الأول 2024، وتشكيل الحكومة السورية المؤقتة، ساد اعتقاد بأن البلاد تدخل مرحلة جديدة عنوانها حرية الإعلام، واحترام التعددية، وفتح المجال أمام الصحافة المستقلة. إلا أن المشهد الإعلامي السوري بقي يعاني من الاستقطاب ذاته، بل ظهرت أنماط جديدة من الخطاب الإعلامي، بعضها يتبنى الرواية الرسمية للحكومة المؤقتة بصورة كاملة، وبعضها يعمل خارج الأطر المهنية، فيما يستمر الإعلام التحريضي في بث خطاب الكراهية والتحريض بين السوريين.
وتؤكد الحكومة السورية المؤقتة باستمرار أن المؤسسات الإعلامية باتت تعمل تحت إشرافها، وأنها تسعى إلى تنظيم القطاع الإعلامي وضبط المخالفات. لكن؛ الوقائع على الأرض تطرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الحكومة على فرض القانون على جميع المنابر الإعلامية، خاصة مع استمرار ظهور وسائل إعلام وصفحات ومنصات تنشر اتهامات وتحريضاً دون أدلة أو مساءلة قانونية.
وفي المقابل، تبرز نماذج إعلامية تسعى إلى تغطية الأحداث وفق معايير مهنية، مع التركيز على نقل الوقائع وكشف الانتهاكات أياً كان مرتكبها، بعيداً عن التحريض أو عفرنة الشعوب السورية، وهو ما يظهر بصورة أوضح في عدد من وسائل الإعلام العاملة في روج آفا.
بعد تشكيل الحكومة السورية المؤقتة، أُعيد تنظيم المؤسسات الإعلامية الرسمية، وأعلنت السلطات أنها تعمل على تطوير الإعلام الحكومي بما ينسجم مع المرحلة الجديدة.
وتؤكد هذه المؤسسات أنها تنقل الوقائع كما هي، وأن هدفها حماية الاستقرار الوطني وتعزيز الثقة بالحكومة الجديدة. غير أن مضمون التغطيات يظهر غالباً تركيزاً كبيراً على إنجازات الحكومة، واللقاءات الرسمية، والتحركات السياسية والدبلوماسية، مقابل مساحة محدودة للأصوات الناقدة أو للملفات الخلافية. ففي كثير من الأحداث الأمنية والسياسية، يقتصر تناول الإعلام الرسمي على الرواية الحكومية، دون إفساح المجال لوجهات النظر الأخرى أو التحقيقات المستقلة، الأمر الذي يضعف ثقة شريحة من السوريين بالمحتوى المنشور، خاصة بعد سنوات طويلة اعتاد فيها السوريون على غياب الإعلام المستقل.
ويُعد الإعلام الرسمي ركناً أساسياً في أي دولة، لكن نجاحه يقاس بقدرته على نقل الحقيقة كاملة، وليس فقط ما يخدم السلطة. فالمهنية تقتضي عرض الوقائع، والاستناد إلى مصادر واضحة، وإتاحة المجال للنقد المسؤول، وهو ما يزال يمثل تحدياً أمام الإعلام الحكومي في سوريا. إلى جانب الإعلام الرسمي، برزت خلال العامين الأخيرين عشرات المنصات الإعلامية التي تقدم نفسها باعتبارها مستقلة، لكنها في الواقع تتبنى خطاباً متطابقاً مع خطاب الحكومة السورية المؤقتة.
وتقوم هذه المنصات بإعادة نشر البيانات الرسمية، وتقديمها بوصفها حقائق نهائية، مع التركيز على إبراز النجاحات الحكومية، والدفاع عن قراراتها، ومهاجمة كل الأصوات المعارضة أو المنتقدة.
ولا تكمن المشكلة في دعم الحكومة بحد ذاته، فمن حق أي وسيلة إعلامية أن تتبنى توجهاً سياسياً واضحاً، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول الإعلام إلى أداة للدعاية، فيغيب التحقق من المعلومات، وتتراجع المهنية، ويصبح الهدف إقناع الجمهور برواية واحدة دون السماح بالنقاش أو النقد. هذا النمط من الإعلام يساهم في خلق بيئة إعلامية مغلقة، حيث يصبح الاختلاف في الرأي مرادفاً للعداء، وتتحول الصحافة من سلطة رقابية إلى منبر لتبرير السياسات الرسمية، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة الجمهور بوسائل الإعلام.
الإعلام التحريضي وصناعة الفتن
أخطر ما يواجه سوريا اليوم وجود منصات إعلامية تعتمد خطاب التحريض والكراهية، وتوجه الاتهامات دون أدلة، ما يسهم في تأجيج الانقسامات المجتمعية. وخلال العديد من الأحداث الأمنية، سارعت بعض الصفحات والقنوات إلى تحميل مسؤولية التفجيرات أو الاغتيالات أو أعمال العنف لجهات معينة قبل بدء أي تحقيق رسمي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك التفجير الذي شهدته العاصمة دمشق، حيث سارعت وسائل إعلام وصفحات سورية إلى اتهام قوات سوريا الديمقراطية بالوقوف وراء الهجوم، رغم غياب أي نتائج تحقيق رسمية تثبت تلك المزاعم في حينه، ودون تقديم أدلة موثقة للرأي العام. وتكررت هذه الظاهرة في أحداث أخرى، إذ يجري توجيه الاتهامات لشعوب أو قوى سياسية مختلفة بصورة مباشرة، الأمر الذي يرفع منسوب الاحتقان، ويغذي خطاب الكراهية، ويخلق بيئة قابلة للانفجار.
ويصبح السؤال مشروعاً هنا: إذا كانت الحكومة السورية المؤقتة تؤكد أن الإعلام بات تحت إشرافها، فمن يتحمل مسؤولية هذه المنابر التي تبث التحريض؟ ولماذا لا تُفتح تحقيقات قانونية بحق الجهات التي تنشر اتهامات خطيرة دون أدلة؟ ولماذا لا تطبق القوانين على الجميع بالقدر نفسه؟
إن غياب المحاسبة لا يشجع فقط على استمرار خطاب التحريض، بل يمنح رسائل سلبية مفادها أن بعض وسائل الإعلام قادرة على نشر أي اتهام دون أن تواجه أي مساءلة. تخلط بعض الجهات بين حرية التعبير وحرية التحريض، بينما يفرق القانون الدولي بوضوح بين الحق في إبداء الرأي وبين الخطاب الذي يحرض على العنف أو التمييز أو الكراهية؛ فالصحفي يمتلك الحق في نقد الحكومات، وكشف الفساد، ومساءلة المسؤولين، لكنه لا يمتلك الحق في اتهام الأفراد أو المؤسسات أو الشعوب دون أدلة.
وتؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى إعلام يخفف التوترات، لا إلى إعلام يزيدها تعقيداً، لأن الكلمة قد تكون أحياناً أخطر من الرصاصة. وفي الحالة السورية، حيث ما تزال الجراح مفتوحة، فإن أي خطاب إعلامي غير مسؤول قد يتحول إلى سبب مباشر في اندلاع مواجهات جديدة، أو تأجيج الانقسامات بين الشعوب، أو نشر الشائعات التي تهدد الأمن المجتمعي.
ولهذا فإن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على حماية حرية الصحافة، بل تشمل أيضاً حماية المجتمع من خطاب الكراهية، عبر تطبيق القانون بصورة متساوية، دون تمييز بين وسيلة إعلامية وأخرى.
إعلام يسعى إلى المهنية وتعزيز التعددية
في المشهد الإعلامي السوري الذي طغت عليه خلال السنوات الماضية خطابات الاستقطاب والتحريض، برزت في روج آفا وشمال وشرق سوريا تجربة إعلامية مختلفة سعت إلى تبني مقاربة تقوم على المهنية، وإبراز التنوع المجتمعي، والابتعاد عن الخطاب الذي يغذي الانقسامات القومية أو الدينية أو الطائفية؛ متتبعة النهج الديمقراطي. وانطلقت هذه التجربة من خصوصية المنطقة التي تضم شعوب متعددة من الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان، الأمر الذي فرض على العديد من المؤسسات الإعلامية اعتماد خطاب يراعي هذا التنوع ويمنح مختلف الفئات مساحة للتعبير عن آرائها وقضاياها.
وترتكز هذه المقاربة على تغطية الأحداث وفق ما يتوافر من معلومات وشهادات ميدانية، مع السعي إلى التحقق من الوقائع قبل توجيه الاتهامات أو تحميل المسؤوليات. كما تعتمد العديد من وسائل الإعلام المحلية على توثيق الانتهاكات بالصور والوثائق وشهادات الضحايا والشهود، بما يهدف إلى تقديم رواية تستند إلى الأدلة قدر الإمكان، بعيداً عن الشائعات أو الخطاب التعبوي الذي يرافق غالباً النزاعات المسلحة.
ولا يعني ذلك أن هذه التجربة معصومة من الأخطاء أو بمنأى عن النقد، فالإعلام، بطبيعته، يخضع للتقييم المستمر والمراجعة المهنية، وقد تواجه بعض المؤسسات تحديات تتعلق بالإمكانات أو سرعة الوصول إلى المعلومات أو ظروف العمل في مناطق النزاع. إلا أن ما يميزها، في نظر كثير من المتابعين، هو محاولتها الحد من استخدام لغة التخوين والكراهية، والتركيز بدلاً من ذلك على القضايا الإنسانية وما يواجهه المدنيون من تحديات يومية.
وتولي وسائل الإعلام في روج آفا اليوم؛ اهتماماً واسعاً بملفات النزوح والتهجير، وأوضاع المخيمات، والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، إضافة إلى متابعة مخاطر داعش، وأوضاع السجون والمعتقلين، وتأثير العمليات العدوانية وهجمات الإبادة على حياة السكان والبنية التحتية. كما تفتح المجال أمام ممثلي مختلف الشعوب ومنظمات المجتمع المدني والناشطين لإبداء آرائهم، بما يعكس تنوع المجتمع المحلي ويمنح الجمهور فرصة للاطلاع على وجهات نظر متعددة.
وفي ظل استمرار الأزمة السورية، تبرز أهمية الإعلام المسؤول بوصفه أداة لتعزيز الحوار المجتمعي وترسيخ ثقافة المساءلة، إذ يسهم نقل الوقائع بموضوعية، وكشف الانتهاكات أياً كانت الجهة المسؤولة عنها، في بناء ثقة أكبر بين الجمهور ووسائل الإعلام، ويعزز دور الصحافة في حماية الحق في المعرفة، بعيداً عن التحريض والدعاية، وبما يخدم فرص الاستقرار والتعايش بين مختلف الشعوب السورية.
سوريا تحتاج إلى إعلام يوحد السوريين لا يفرقهم
لا يمكن الحديث عن مستقبل مستقر لسوريا أو عن بناء سوريا جديدة دون إصلاح حقيقي للقطاع الإعلامي؛ لأن الإعلام يشكل أحد الأعمدة الأساسية في أي عملية انتقال سياسي أو مجتمعي. فالتجارب التي مرت بها البلاد خلال سنوات الصراع أثبتت أن الكلمة قد تكون أداة لبناء الثقة كما قد تتحول إلى وسيلة لتغذية الانقسام وإطالة أمد الأزمات. لذلك، فإن الحاجة اليوم لا تقتصر على تطوير المؤسسات الإعلامية من الناحية التقنية، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة مهنية تقوم على الدقة والحياد واحترام أخلاقيات العمل الصحفي.
ولا يمكن للإعلام أن يؤدي دوره الحقيقي إذا اقتصر على ترديد الرواية الرسمية أو انخرط في حملات التحريض والتخوين وتبادل الاتهامات دون أدلة موثقة. فالصحافة المهنية تقوم على التحقق من المعلومات، وإتاحة الفرصة لمختلف الأطراف لعرض مواقفها، والتمييز بين الخبر والرأي، مع الالتزام بمعايير النزاهة والشفافية في نقل الوقائع. كما أن حماية حرية العمل الصحفي، إلى جانب محاسبة كل من يتجاوز القانون أو ينشر خطاب الكراهية، تمثلان شرطين أساسيين لبناء بيئة إعلامية تحظى بثقة المجتمع.
وإذا كانت الحكومة السورية المؤقتة تؤكد أنها تشرف على تنظيم القطاع الإعلامي، فإن نجاح هذا المسار يقاس بمدى تطبيق القوانين على جميع وسائل الإعلام دون استثناء، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الانتماءات المختلفة. فسيادة القانون لا تكتمل إلا عندما تكون المعايير واحدة للجميع، وعندما تتم مواجهة الأخبار المضللة وخطابات التحريض وفق إجراءات قانونية عادلة، بما يحمي حق المجتمع في الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً نتيجة سنوات الأزمة والانقسام، وأصبح السوريون اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعلام يساهم في رأب الصدع الاجتماعي، ويعزز ثقافة الحوار والتعايش، ويضع معاناة الإنسان وحقوقه في مقدمة أولوياته. كما أن كشف الانتهاكات، أياً كانت الجهة المسؤولة عنها، والدفاع عن حق المواطنين في المعرفة، يمثلان جوهر الرسالة الصحفية ودورها في خدمة المصلحة العامة. وعندما يصبح الإعلام مساحة للحقيقة والمساءلة والنقاش المسؤول، فإنه يتحول إلى شريك في بناء السلام والاستقرار، لا إلى عامل يزيد من الانقسام. ومن هنا، فإن مستقبل سوريا الديمقراطية يرتبط أيضاً بقدرتها على ترسيخ إعلام مهني، مستقل ومسؤول، يجعل الحقيقة أساس عمله، ويضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبارات سياسية أو أيديولوجية.