بعد الحرب العالمية الثانية تغير مصير الشرق الأوسط للمرة الثانية، في 14 أيار1948، حيث أعلن المجلس القومي اليهودي قيام دولة إسرائيل، وفي جغرافيا التناقض والصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب القضية الكردية؛ حروب إسرائيل – فلسطين الممتدة لـ 78 عاماً، واتفاقيات إبراهيم “أبراهام”، وأمن ممرات الطاقة وعلى رأسها ممر داوود، وحرب إيران – إسرائيل والولايات المتحدة التي طبعت التوترات الإقليمية وأسبابها.
إن أزمة الشرق الأوسط البنيوية الممتدة لـ 78 عاماً هي عملية كسر جيوسياسي ثانية بدأت مع السعي الهيمني للجمهورية الإيرانية الإسلامية، الكامن في التحول التاريخي – المجتمعي الشيعي – الهلالي الممتد من 1979 إلى 2026 لمدة 47 عاماً. إن أصل الأزمة في الشرق الأوسط هو إن نموذج الدولة القومية يستبعد التعددية المجتمعية، وإن الفاعلين الإقليميين يدربون ويسلحون قوات بالوكالة في إطار تنافس هيمني ويدفعون بها إلى الميدان، سنقوم بتقييم “محور المقاومة” الإيراني النابع من التقاء التقاليد السياسية الشيعية من العهد الصفوي، وصدمة “شبه المستعمرة” في عهد القاجار، والكسر الثقافي لـ “التحديث” الذي قام به الشاه رضا بهلوي الموالي لأمريكا، واقتصاد ريع النفط. إن مذكرة التفاهم المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران في 15 حزيران 2026 ودبلوماسية الولايات المتحدة المحورية على العراق ـ سوريا – إقليم كردستان العراق، تدل على أن الأزمة انتقلت إلى مرحلة “الوكالة الاقتصادية بدل التدخّل المباشر”. فالشرق الأوسط هو ساحة التنافس الهيمني وحروب الوكالة وأزمة الدولة القومية بين إيران وتركيا وإسرائيل.
يشكّل قرار الأمم المتحدة 181 لعام 1947″ إنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين” وإعلان قيام دولة إسرائيل في 1948 نقطة انطلاق الأزمة البنيوية المستمرة في الشرق الأوسط منذ 78 عاماً.
وتتشكل هذه الأزمة حول ثلاث ديناميكيات:
ـ التناقض الترابي – الأمني بين إسرائيل والدول العربية.
ـ استراتيجية النفوذ الإقليمي الإيراني القائمة على المذهب بعد 1979.
ـ حالة اللا – وضع للكرد المقسمين بين أربع دول.
وتُظهر مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية في 15 حزيران 2026 ودبلوماسية توم باراك في محور العراق-سوريا-إقليم كردستان العراق إن هذه الأزمة انتقلت إلى مرحلة “تجميد التوتر العسكري وبناء نظامه الخاص عبر الوكالة والاقتصاد”.
لماذا الأزمة بنيوية ومستمرة؟
إن بنية الشرق الأوسط ما بعد العهد العثماني، والتحول المذهبي الإيراني الممتد لـ 500 عام، وديناميكيات أزمة 1945 – 2026، وآلية قوى الوكالة، والحل الديمقراطي للمسألة الكردية، تشكل خطوط التناقض والصراع الثلاثة.
ـ البنية التاريخية – المجتمعية للشرق الأوسط وصدمة الدولة القومية، 1800-1945:
تتكون البنية المجتمعية للشرق الأوسط من ثلاث طبقات:
الأولى هي نظام الملل العثماني: نظام وضع قائم على الطوائف يمنح الحكم الذاتي لطوائف المسلمين والأرثوذكس والأرمن واليهود، لكنه لا ينتج مواطنة متساوية حديثة. ومع محاولة “المواطنة العثمانية” عبر التنظيمات في 1839، منعت الامتيازات والتبعية الاقتصادية الاندماج. النتيجة: انقسم المجتمع أفقياً إلى طوائف، وعمودياً إلى هرمية الآغا ـ الشيخ – الدولة.
الثانية هي نموذج الدولة القومية من نوع وستفاليا المفروض عبر سايكس – بيكو 1916 ولوزان 1923. جلب هذا النموذج فهم “أمة واحدة -لغة واحدة – علم واحد”، وأخرج البنى التعددية مثل الكرد والآشوريين والدروز من كونهم عنصراً مؤسساً للدولة. هذه الحدود المصطنعة خلقت “صدمة الإنكار” في البنية المجتمعية.
الثالثة هي الدولة الريعية التي ولدت مع اكتشاف النفط في إيران 1908 وفي العراق 1927. البنية الاقتصادية الريعية تكسر العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع؛ فالدولة لا تستند إلى العقد الاجتماعي بل إلى الريع، والمجتمع لا يحاسب الدولة، هذه البنية منعت تطور المؤسسات الديمقراطية.
ـ الديناميكيات التاريخية – المجتمعية الإيرانية وسوسيولوجيا ثورة 1979م:
إعلان الدولة الصفوية المذهب الشيعي الاثني عشري مذهباً رسمياً في 1501 فصل الهوية الإيرانية عن التعريب ووضع أساس تحالف العلماء – الدولة. بعد انهيار الصفويين، جعلت فترة القاجار في القرن الـ 19 من إيران موضوع “اللعبة الكبرى” بين روسيا وبريطانيا، وكانت خسائر الأراضي بمعاهدتي كلستان 1813 وتركمانجاي 1828، والثورة المشروطة 1906 واكتشاف النفط 1908 من نقاط التحول في هذه الفترة. أنتجت المشروطة تجربة “سيادة الشعب” في المجتمع الإيراني؛ لكن التدخّل الخارجي قطع هذه التجربة، وحوّل النفط الدولة إلى جهاز ريعي.
في 1925 حاول رضا شاه بهلوي جعل إيران “دولة قومية حديثة”. أحدثت الإصلاحات الثقافية مثل العلمانية وقانون القبعة وحظر الشادور إحساس “فقدان الهوية” في المجتمع التقليدي. انقلاب 1953 ضد حكومة مصدق عبر الـ CIA و MI6 رسخ في المجتمع الإيراني صدمة “الديمقراطية غير ممكنة”. “الثورة البيضاء” لمحمد رضا شاه في 1963 نقلت ريع النفط إلى الطبقة الوسطى الحضرية بينما أفقرت الريف.
رغم محاولة ثورة 1979 الإسلامية دمج الاقتصاد مع سوسيولوجيا “ولاية الفقيه” عبر تحالف تجار السوق والفقراء الحضريين والطلاب والعلماء؛ فإن الفهم الإمبراطوري لـ “انتشار الهلال الشيعي” الإسلامي سبب ظلماً طبقياً عميقاً. جمع خطاب الخميني “الجمهورية الإسلامية” بين مطلب الهوية والعدالة وفكرة سيادة الشعب. بعد استفتاء 1 نيسان 1979 انتقلت السلطة إلى يد العلماء والحرس الثوري، وورد مبدأ “ولاية الفقيه” في الدستور.
كانت الفترة 1979-2026 هي الفترة التي بنت فيها إيران استراتيجية “محور المقاومة” على ثلاث ركائز:
ـ الهوية المذهبية الشيعية من العهد الصفوي، والخطاب “المناهض للإمبريالية” النابع من صدمة 1953، والحاجة إلى “عمق استراتيجي” الناتج عن حرب إيران – العراق. حزب الله 1982، الحشد الشعبي 2003، الفاطميون 2012 هي الجناح العسكري لهذه الاستراتيجية. الحصيلة: تأمين الأمن الداخلي عبر قوى الوكالة وتحويل “الهلال الشيعي” إلى قوة ردع إقليمية. لكن حروب الوكالة ذات الكلفة الاقتصادية الكبيرة أدت إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25% مع العقوبات 2018-2024، وأظهرت احتجاجات 2009 و 2019 و 2022 القطيعة بين المجتمع والنظام.
ثمانية عقود من الأزمة في الشرق الأوسط
كانت فترة 1945-1967 فترة القومية العربية، وبدأت بقرار الأمم المتحدة 181 وقيام إسرائيل؛ وحاولت أيديولوجيات الناصرية والبعثية بناء الدولة القومية لكنها فشلت بسبب اصطناع الحدود، وكان احتلال إسرائيل لسيناء والجولان والضفة الغربية في 1967 هو سنوات انهيار القومية العربية، وكان حظر النفط العربي 1973 من قبل دول أوبك نتيجة استخدام القومية العربية “سلاح النفط”.
كانت فترة 1991-2011 فترة بناء الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة على الشرق الأوسط. حرب الخليج وحصار العراق و”مشروع الشرق الأوسط الكبير” جعل أمريكا القوة العظمى الوحيدة تبني “توازناً قائماً على الصراع”. في هذه الفترة ضعفت الدول القومية، لكن أمريكا وإيران والسعودية على العكس قامت بمأسسة قوى الوكالة.
كانت فترة 2011-2026 هي فترة الربيع العربي وحروب الوكالة. انهارت سلطة الدولة في سوريا وليبيا واليمن؛ وحلت محلها ميليشيات مدعومة من أمريكا وإيران وتركيا والسعودية وروسيا. تتضمن مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية في 15 حزيران 2026 هدنة 100 يوم وفتح مضيق هرمز وتجميد تخصيب اليورانيوم الإيراني فوق 60% والإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول المجمدة وحزمة إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار بتمويلٍ خليجي.
هدف أمريكا هو سحب الجيش عبر “التوازن البحري” وبناء خطوط أمن ممرات الطاقة الجديدة مع رأس المال الخليجي وتكنولوجيا إسرائيل وقوى الوكالة والدول القومية القائمة، لكن هذا المشروع انهار لأنه لم يخدم سلاماً دائماً، هذا الانهيار عمّق الأزمة بالحرب من جديد.
الآلية الملموسة للأزمة: التنافس الهيمني وتسليع قوى الوكالة
“ضعف الدولة” يبقى مجرداً، الآلية الملموسة هي: الدول التي تلعب على التنافس في المنطقة، بهدف توسيع مجالاتها الهيمنية وترسيخ ساحاتها الاستراتيجية، قامت بتدريب وتسليح قوى الوكالة ودفعها إلى الميدان.
إيران – حزب الله، 1982-2026: بعد الاحتلال الإسرائيلي في 1982 قام الحرس الثوري الإيراني بتنظيم القرى الشيعية في لبنان. كان حزب الله يتلقى دعماً إيرانياً سنوياً يتراوح بين 700 مليون ومليار دولار، وأصبح بقوة مساوية لجيش الدولة بعد حرب 2006. بعد حرب تموز 2006 انهارت الدولة اللبنانية نتيجة انقلاب حزب الله المستتر، وظهرت “دولة موازية” تعتمد خدماتها على حزب الله.
السعودية – قبائل اليمن، 2015-2026: بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، وزعت السعودية مليارات الدولارات على قبائل حضرموت ومأرب. الهدف السيطرة على مضيق باب المندب ومنع نزول إيران إلى البحر الأحمر، النتيجة: انجرفت اليمن إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، وتحولت القبائل إلى ميليشيات معتمدة على التمويل السعودي.
تركيا – المجموعات المرتزقة، 2011-2026: قامت تركيا بتدريب مجموعات الجيش السوري الحر في هاتاي وغازي عنتاب وربطت لها رواتب ضد الأسد في سوريا، الهدف منع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من إقامة كانتونات وإنشاء “منطقة آمنة”، النتيجة: بقيت المجموعات وداعش معتمدين على أنقرة، وتعمقت الأزمة والفوضى في المنطقة عبر قوى الوكالة.
استبدال سلطة الدولة، وتهيئة أرضية لاقتصاد الصراع المستمر، والتجزئة المجتمعية، والهشاشة الهيمنية: الأزمة لا تنبع من غياب الدول؛ بل من تنافسها عبر قوى الوكالة.
المسألة الكردية والبنية المجتمعية في الأجزاء الأربعة ومنظور الحل الديمقراطي
الكرد محبوسون في أربع دول ببنى مختلفة: في تركيا الانتقال إلى الديمقراطية وإنهاء الإنكار والإبادة للكرد، في إيران إنهاء التهميش القومي والثقافي والسياسي والاقتصادي للشعوب، في العراق ثنائية الريع النفطي والعشيرة – البيروقراطية الحديثة؛ وفي سوريا الدمار بعد الحرب والتجربة الكونفدرالية حمّلت الكرد مهمة تاريخية جديدة.
الوحدة القومية في الأجزاء الأربعة ضرورية لثلاثة أسباب: قوة التفاوض، كسر فخ الوكالة، والشرعية الإقليمية: اعتراض الكرد على فرض أمريكا عليهم أن يكونوا قوة وكيلة في معادلة المنطقة هو إعلان إرادة بأن يكونوا قوةً ذاتية في المنطقة.
الكونفدرالية الديمقراطية ضد سياسة الفوضى والصراع في الشرق الأوسط: مجالس محلية، حقوق ثقافية، حرية المرأة – نظام الرئاسة المشتركة وحصة 50%، اقتصاد إيكولوجي – تعاونيات، هذا النموذج يقدم مواطنة متساوية للعرب والتركمان والسريان والأرمن ويتجاوز منطق قوة الوكالة.
تستمر أزمة الشرق الأوسط الممتدة لـ 78 عاماً بسبب إقصاء الدولة القومية وتسليع الدول لقوى الوكالة في التنافس الهيمني. “محور المقاومة” الإيراني الممتد لـ 47 عاماً هو نتاج التقاء التقاليد الشيعية من العهد الصفوي، وصدمة شبه المستعمرة للقاجار، و”التحديث” القسري للبهلوي، وريع النفط. استراتيجية مذكرة التفاهم الأمريكية 2026 هي نموذج “وكالة جديدة للتوازن البحري”.
لقد تحول الشرق الأوسط إلى “بناء الوكالة عبر توزيع الريع”. ظهرت دول ريعية، إيران والسعودية ودول الخليج الأخرى، ونموذج الدولة القومية الريعية المصطنعة. فالأزمة والفوضى في الشرق الأوسط ليست تكتيكية بل بنيوية.
تضع أيديولوجية ومفهوم “الأمة الديمقراطية” للكرد “مصلحة الشعوب” في مواجهة هذه المصلحة. حل الأزمة ممكن عبر بناء مجتمع الأمة الديمقراطية التي تؤمن العيش المشترك للشعوب على أساس المساواة والطوعية.