No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ خلال عام 2024، اضطر آلاف المهجّرين من مقاطعة عفرين والشهباء للهجرة القسرية الثانية نحو إقليم شمال وشرق سوريا، فاستقبلت الطبقة 12 ألف شخص في ثلاثة مخيمات، ورغم توقيع اتفاق العاشر من آذار؛ لضمان عودتهم، لم تُنفّذ أي خطوة عملية، ويصر الأهالي على خروج مرتزقة الاحتلال التركي من ديارهم وتحقيق عودة آمنة لهم؛ لإدارة مدنهم بأنفسهم.
في موجة تهجير جديدة، لم تكد تمر ست سنوات على الأولى، شهد عام 2024 الهجرة القسرية الواسعة لمهجّري مقاطعة عفرين والشهباء بعد التوترات المسلحة بين المجموعات المرتزقة في شمالي حلب ودخول مجموعات “العمشات” و”الحمزات” تل رفعت بدعم مباشر من دولة الاحتلال التركي.
وجاء الهجوم إثر عملية “ردع العدوان” التي أطلقتها “هيئة تحرير الشام”، وانتهت بامتداد الفوضى الأمنية إلى مناطق واسعة وإزاحة النفوذ القديم وصولاً إلى سقوط حكم آل الأسد في الثامن من كانون الأول 2024.
وأمام هذا المشهد المتوتر، اضطرت آلاف العائلات من مهجّري عفرين والشهباء للهجرة القسرية الثانية، تاركين مخيماتهم الأولى في الشهباء. ومنذ الأيام الأولى، فتحت مدينة الطبقة أبوابها أمامهم عبر معبر البو عاصي في ريفها الغربي، لتستقبل أعدادًا كبيرة من النساء والأطفال وكبار السن ممن وجدوا أنفسهم بلا مأوى للمرّة الثانية خلال أقل من عقد.
وحسب تقديرات منظمات إنسانية، فإن هذه الهجرة القسرية جاءت ضمن حركة كبيرة داخل سوريا، حيث وثّق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA) هجرة قسرية لنحو 674 ألف شخص في عموم البلاد منذ نهاية 2024 وحتى ربيع 2025.
واستقر في مدينة الطبقة وحدها 12,000 مهجّر من عفرين والشهباء، موزعين على 2,500 عائلة ضمن ثلاثة مراكز إيواء رئيسية: (مخيم الحرية، ومخيم السلام، ومخيم جديد مستحدث مع بداية 2025 لاستيعاب الأعداد المتزايدة، و٣٤ مدرسة ضمن مدينة الطبقة وريفها).
أصوات المهجّرين.. أمل ومعاناة
وفي مخيم الحرية، روى “عبد الرحمن إبراهيم” معاناته: “الهجرة القسرية الثانية كانت أشد ألمًا من الأولى، تركنا بيوتنا وأرضنا في عفرين، ثم الشهباء، وجئنا إلى هنا بلا شيء سوى ذكريات مؤلمة، كل يوم نتساءل عن مصيرنا (متى سنعود وكيف سنتجاوز الخوف من المرتزقة في عفرين؟)”.
وأضاف: “مدينة الطبقة استقبلتنا بقلوب مفتوحة، لكن الحياة هنا مؤقتة، نعيش في مخيمات، ونفتقد للخصوصية، وللأمان الحقيقي، نريد أن تعود الإدارة إلى أهلها، وأن نحكم مدينتنا بأيدينا، لا تحت سلطة أي مجموعة مسلحة”.
واختتم “عبد الرحمن إبراهيم” شهادته بتفصيل واقع الحياة اليومية: “تحاول النساء توفير احتياجات المنزل بأقل الإمكانات، هذا ليس استقرارًا، بل انتظار طويل لأيام أفضل، نعيش على أمل العودة الآمنة”.
أرقام توثق الهجرة والمعاناة
وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن 825 ألف نازح داخلي تمكنوا من العودة إلى مناطقهم في سوريا منذ كانون الأول 2024، لكن هذا التحسّن لا يشمل عفرين والشهباء، حيث تستمر المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا بارتكاب الانتهاكات اليومية، أبرزها: (الاعتقالات والخطف مقابل الفدية، والاستيلاء على الممتلكات، وفرض إتاوات على الأهالي، والتغيير الديمغرافي المستمر).
وعلق الناشط الحقوقي “إبراهيم شيخو” على الواقع: “لا يمكن الحديث عن عودة آمنة طالما الاحتلال التركي ومرتزقته يسيطران على عفرين، فهناك أكثر من ثمانية آلاف انتهاك موثق منذ 2018، تشمل الخطف، والاعتقالات التعسفية، والسرقة، والتغيير الديمغرافي”.
وتابع: “المطلوب خروج المجموعات فورًا، وإعادة إدارة المدينة لأهلها الأصليين، والعودة بدون ذلك ستكون وعوداً سياسية فارغة، ولن تعيد الحياة الطبيعية للأهالي”.
واستفاض شيخو في شرح معاناة المهجرين اليومية: “يعاني الأهالي في المخيمات من نقص فرص العمل، والوضع الصحي المتأزم، كل هذه العوامل تزيد معاناة المهجرين وتجعل العودة مشروطة بإجراءات أمنية واضحة وحماية فعالة”.
اتفاق العاشر من آذار.. أمل سياسي متعثر
وفي العاشر من آذار 2025، وقّع رئيس الحكومة الانتقالية “أحمد الشرع” والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” اتفاقًا سياسيًا، تضمنت بنوده دمج المؤسسات في إقليم شمال وشرق سوريا مع مؤسسات الدولة، وضمان مشاركة السوريين السياسية، ووقف إطلاق النار، وعودة المهجرين مع حماية كاملة، على أن يبدأ التنفيذ قبل نهاية 2025.
ورغم مرور أشهر، لم تتخذ الحكومة السورية الانتقالية أي خطوات عملية نحو عودة المهجرين في عفرين أو سري كانيه أو كري سبي.
وفي سياق التطبيق السياسي للاتفاق، أشار عضو المجلس العام لحزب سوريا المستقبل “محمد بيرم”: “الاتفاق كان خطوة مهمة، لكنه بلا تطبيق فعلي حتى اليوم، والعودة الآمنة ليست مجرد بند، بل جوهر الاتفاق، والمهجرون يطالبون برؤية إجراءات واضحة على الأرض”.
وأضاف: “يجب أن يدير أهالي عفرين شؤون مدينتهم بأنفسهم، بعيدًا عن أي مجموعات مرتبطة بالخارج، هذا شرط أساسي لإعادة الاستقرار وإنهاء الانتهاكات اليومية”.
وأنهى عضو المجلس العام لحزب سوريا المستقبل “محمد بيرم” حديثه: “الحكومة السورية الانتقالية مطالبة بتسريع الإجراءات، وبدون ضغط محلي ودولي، ستظل العودة معلقة على الورق”.
قضية مستمرة
ورغم احتضان مدينة الطبقة مهجّري مقاطعة عفرين والشهباء، يبقى ملف العودة الآمنة مفتوحًا على احتمالات طويلة، ويرتبط بإخراج المجموعات الموالية لتركيا، فتطبيق اتفاق العاشر من آذار، ضمانات دولية لحماية العائدين، وإرادة سياسية واضحة.
وفي خضم هذه الحياة اليومية القاسية لقاطني المخيمات، يبقى أمل العودة حياً في قلب كل مهجّر، ينتظر قراراً سياسياً يحرره من سنوات اللجوء والمعاناة.
No Result
View All Result