No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ فجر الثامن من كانون الأول عام 2024، لحظة انهيار النظام السوري وسقوط العاصمة دمشق بأيدي قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام وبدعم مباشر مما يسمى بالجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، تحوّل المشهد السوري بأكمله إلى صفحة جديدة، لكنها لم تكن الصفحة التي حلم بها السوريون، ولا الصفحة التي انتظرها المهجّرون لسنوات.
فبدلاً من فتح أبواب المدن لعودة أهلها، برزت موجة تهجير جديدة، حملت معها قصصاً أشد قسوة مما سبق، ووجد أهالي عفرين أنفسهم أمام تهجير ثانٍ، ليس من مدينتهم وحدها بل من آخر ملاذ ضيّق احتضنهم سبع سنوات: منطقة الشهباء.
ومع أن الآمال ارتفعت مع إعلان الاتفاق الذي جرى في العاشر من آذار 2025 بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع حول عودة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية، إلا أن الواقع سار بعكس الاتجاه تماماً: لم يعد أحد… بل خرج آخرون. وتحوّل الاتفاق إلى ورقة سياسية تُرفع في المؤتمرات وتُدفن على الأرض تحت ركام الصفقات والاقتتال الداخلي والمصالح الدولية.
بداية النهاية أم بداية تهجير جديد؟
منذ فجر الثامن من كانون الأول 2024، حين انهار النظام السوري بعد ثلاثة وخمسين عاماً على حكم عائلة الأسد، لم يكن المشهد في دمشق سوى عنوان لفوضى أكبر امتدت إلى مناطق أبعد بكثير من أسوار العاصمة. فالمعارك التي استمرت اثنتين وسبعين ساعة فقط، وانتهت برفع رايات هيئة تحرير الشام فوق المهجرين بدعم تركي مباشر، لم تُنتج دولة جديدة ولا نظاماً بديلاً، بل فتحت الباب أمام سباق محموم بين مرتزقة ما تسمى بالجيش الوطني للسيطرة على محيط دمشق وإعادة رسم خارطة النفوذ العسكري والسياسي. وبينما كانت المقرّات الأمنية والاقتصادية تنتقل شكلياً من يد إلى أخرى، كانت تركيا عبر وكلائها تدفع باتجاه توسيع حضورها في الفراغ الذي خلّفه سقوط المركز.
في تلك اللحظات المصيرية، كانت عيون أكثر من مائتي ألف مهجّر من عفرين، المستقرّين في الشهباء وتل رفعت وما حولهما، معلّقة على ما يحدث في العاصمة، على أمل أن يُفتح الباب أخيراً أمام عودتهم إلى المدينة التي خرج منها أكثر من ثلاثمائة ألف مدني في الثامن عشر من آذار 2018. يومها اصطحب الأهالي ما استطاعوا من ذكريات وما تبقّى من مفاتيح، متفرّقين بين خمسة مخيمات شكّلت النواة الصلبة لوجودهم الجديد: سردم الذي ضمّ 904 عائلات بعدد 3,774 شخصاً، برخدان بـ702 عائلة و2,772 شخصاً، عفرين بـ122 عائلة و498 شخصاً، العودة بـ145 عائلة و584 شخصاً، ومخيم الشهباء الذي احتضن 104 عائلات بلغ تعداد أفرادها 466. وبحصيلة إجمالية بلغت 8,094 شخصاً، شكّلت هذه المخيمات الخمسة مركز الثقل الأول للمهجّرين، فيما توزّع نحو مائتي ألف آخرين على تل رفعت وأحرص وأحداث وفافين وأكثر من أربعين قرية صغيرة في محيطها.
كانت الشهباء محاصرة من ثلاث جهات تضيق على أهلها كحلقة من نار: من الشمال الجيش التركي، ومن الشرق مرتزقة الجيش الوطني، ومن الجنوب قوات حكومة دمشق التي أبقت نقاطها على الأطراف دون أن تسمح بفتح معبر واحد يخفف وطأة الخنق المستمر. ورغم ذلك، حاول المهجّرون ترميم حياة مكسورة: مدارس بسيطة تُبنى بمواد متهالكة، ومستوصفات صغيرة بالكاد تملك ما يسعف المرضى، ومخابز مشتركة تعتمد على الطحين المتدفق عبر خطوط محفوفة بالمخاطر، وشبكات مياه مؤقتة فوق أرض أنهكتها الحرب. لكن؛ كل ما بُني بصبر انهار دفعة واحدة في الأول من كانون الأول 2024؛ يوم امتدّت نار الفوضى من دمشق لتلتهم الشهباء، ويوم أدرك المهجّرون أن سقوط نظام لا يعني بالضرورة سقوط المأساة، بل قد يعني بداية فصل أشد قسوة مما سبق.
التهجير الثاني لأهالي عفرين
وما إن انهارت الشهباء تحت ثقل الانتظار والخوف، حتى جاءت الأيام التالية لتكشف أن النار التي بدأت في دمشق كانت مجرد مقدّمة لعاصفة أكبر. ففي 26 تشرين الثاني 2024 بدأت تركيا ومرتزقتها هجوماً واسعاً على محيط حلب وإدلب، في عملية بدت للوهلة الأولى محدودة، قبل أن يتبيّن أن الهدف الحقيقي هو تفريغ الشهباء بالكامل ودفع أكثر من 200 ألف مهجّر إلى رحلة تهجير جديدة. وفي الأول من كانون الأول 2024 تحوّلت المخاوف إلى واقع دموي، حين شنت المجموعات المرتزقة المدعومة تركياً هجمات مباشرة على تل رفعت ومحيطها، مستخدمة المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة، لتتحول المنطقة خلال ساعات إلى ساحة قصف متواصل.
قاتلت قوات تحرير عفرين أربعة أيام كاملة في مواجهة كثافة نارية غير مسبوقة، وارتقى خلال تلك الأيام العشرات من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، بينما تهاوت أعمدة الحياة في المخيمات: انقطاع الخبز لـ72 ساعة، توقف المستوصفات عن العمل، ونفاد الوقود، وانقطاع خطوط المياه بشكل كامل. ومع إحكام الحصار على ما تبقّى من تجمعات بشرية، وجد أكثر من 200 ألف إنسان أنفسهم محاصرين بين ثلاث جهات نيران لا تترك لهم خياراً سوى الانتظار أو الفناء.
وفي اليوم الخامس، ومع ازدياد القصف على نحوٍ ينذر بإبادة، أصدر مجلس شعب عفرين والشهباء بياناً مصيرياً أعلن فيه القرار الذي لم يكن أحد يرغب بسماعه: الخروج الجماعي من المنطقة لإنقاذ السكان من الموت. كان القرار مرّاً، لكنه كان آخر ما يمكن فعله. وهكذا، في الثالث من كانون الأول 2024، انطلقت أكبر موجة تهجير تشهدها المنطقة منذ عام 2018؛ خرج الأهالي كما خرجوا أول مرة، بلا متاع، وبلا ضمان، وبلا يقين أنهم سيصلون إلى مكان آمن.
تمكنت الإدارة الذاتية من فتح ممر ضيق نُقلت عبره آلاف العائلات إلى مقاطعة الفرات، فيما بدأ آخرون يفكرون بمغادرة سوريا نهائياً. تكررت رحلة الموت نفسها، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة منذ سبع سنوات، لتعود الأسئلة الأكثر مرارة: كيف تُهجَّر مدينة واحدة مرتين في أقل من سبع سنوات؟
هيئة تحرير الشام إلى السلطة… نفوذ تركي أم دولة ظل؟
بعد سقوط النظام، كانت هيئة تحرير الشام أول من اندفع لملء الفراغ، فأعلنت في أواخر كانون الأول 2024 ما سمّته «الحكومة السورية الانتقالية في دمشق». غير أن هذا الكيان لم يكن أكثر من واجهة سياسية تُغطي شبكة عسكرية ـ أمنية أحكمت قبضتها على العاصمة. فخلال أسابيع قليلة، بدت ملامح خريطة السيطرة الجديدة أكثر وضوحاً: تركيا استعادت زمام المبادرة عبر دعم مباشر للهيئة داخل دمشق؛ «الجيش الوطني» تقدّم نحو الأحياء الجنوبية وامتدّ إلى بعض بلدات ريف دمشق؛ مقار الوزارات السابقة تحوّلت إلى مراكز تحقيق وإدارة أمنية؛ ملفات المهجّرين أُغلقت بالكامل، واستُبدلت بخطط «إعادة تموضع» تركية لا تتضمن أي التزام فعلي بإعادة السكان. ولم يكن ملف عفرين ولا الشهباء ضمن أولويات الحكم الانتقالي الجديد، بل ظهر على العكس أن أنقرة ماضية نحو تعميق هندسة ديمغرافية جديدة، تتعامل فيها مع شمال سوريا بوصفه امتداداً أمنياً يدار على المدى الطويل.
وفي ظل هذا المشهد المرتبك، جاءت اتفاقية العاشر من آذار 2025 لتقدّم ورقة سياسية ظنّ كثيرون أنها قد تغيّر المسار. ففي ذلك اليوم، ظهر في دمشق رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، معلنين اتفاقاً وُصف بأنه «الأكثر شمولاً» منذ بداية الأزمة السورية. نصّ الاتفاق تضمّن ثمانية بنود أساسية، أبرزها الاعتراف بالمجتمع الكردي كشعب أصيل في سوريا، ووقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية، وضمان عودة المهجّرين، ودمج مؤسسات شمال شرق سوريا المدنية والعسكرية ـ بما فيها المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز ـ ضمن إدارة الدولة قبل نهاية عام 2025. كما نصّ على دعم الدولة في مواجهة فلول النظام السابق ومنع أي خطاب تقسيمي أو محاولات لبثّ الفتنة. لكن؛ ما بدا على الورق تقدماً تاريخياً، انعكس على الأرض بصورة معاكسة تماماً. فبدلاً من أن تفتح البنود الطريق أمام عودة عشرات الآلاف إلى بيوتهم، تحوّلت مناطق اللجوء الأخيرة بسبب عدم التزام الحكومة السورية الانتقالية بالاتفاق؛ ما دفع مناطق الشمال السوري إلى مساحات تهجير جديدة. وبحلول نيسان 2025، كانت موجة تهجير جديدة قد بدأت، شملت أكثر من 30 ألف شخص خلال أسابيع قليلة، معظمهم من العائلات التي ظنّت أن اتفاق العاشر من آذار سيكون بداية استقرار لا مقدمة لترحيل آخر. وهكذا، تحوّلت «الورقة التي لم تثمر» إلى دليل إضافي على أن الخرائط تُرسم بالسلاح لا بالبيانات، وأن العناوين السياسية الكبرى ما زالت عاجزة عن حماية الأهالي من دوامة التهجير المستمرة منذ أكثر من عقد.
التهجير الثاني أكثر قسوة
كان التهجير الثاني أكثر قسوة، لا لأنه تكرار لمأساة سابقة فحسب، بل لأنه جرى في لحظة انهار فيها كل ما يمكن الركون إليه. فمع موجة التهجير التي تلت «ورقة العاشر من آذار» غير المطبّقة، اكتشف أهالي عفرين والشهباء أنّ ما خسرته المنطقة لم يكن الأرض فقط، بل المعنى الأخير للطمأنينة.
أولاً: انعدام الأمل:
في عام 2018، حين خرج الأهالي من بيوتهم لأول مرة، كان في أصواتهم شيء يشبه الوعد: «سنعود قريباً». كان الخروج مؤقتاً، مؤلماً لكنه محمّل بخيط رفيع من الأمل. أمّا في كانون الأول 2024، ومع بداية التهجير الثاني، تغيّر كل شيء. لم يعد السؤال: متى نعود؟ بل أصبح: إلى أين نذهب؟
قالها كبار السن قبل الشباب: «لم يعد هناك مكان نعود إليه». البيوت دُمّرت، القرى تغيّرت، والخرائط نفسها صارت تُرسم بعيداً عن أصحابها.
ثانياً: انهيار آخر ما تبقّى من البنية الإنسانية:
المخيمات التي صمدت لسنوات في الشهباء انهارت خلال 72 ساعة فقط من بدء الهجوم. أربع مدارس كانت تحتضن آلاف الأطفال توقفت عن العمل. ثلاثة مستوصفات قُطعت عنها الإمدادات الطبية. خمسة مخابز أغلقها القصف ونفاد الوقود. شبكة المياه الموحّدة التي شغّلتها الإدارة الذاتية منذ 2020 توقّفت بالكامل. لم يعد هناك مخيم… بل مجرد أرض واسعة يختلط فيها الغبار مع الخوف.
ثالثاً: تحوّل الملف ورقة إقليمية:
ومع انهيار البنية الإنسانية، لم يعد مصير عشرات الآلاف شأناً سورياً. تحوّل الملف ورقة إقليمية تنتقل من يد إلى أخرى. تركيا تعاملت معه وسيلة ضغط على الإدارة الذاتية لفرض ترتيبات أمنية جديدة في الشمال. هيئة تحرير الشام استخدمته لتعزيز شرعيتها في دمشق بعد أن قدّمت نفسها قوة «منظِّمة» للمرحلة الانتقالية. أحمد الشرع رأى فيه فرصة للحصول على دعم دولي أكبر، وتقديم نفسه «ضامناً للاستقرار»، بينما خرجت روسيا وإيران من المشهد كلياً بعد سقوط النظام، تاركتين الفراغ للفاعلين الجدد. وحدها الولايات المتحدة اكتفت بالمراقبة من بعيد، دون أي تدخل يغيّر المعادلة على الأرض.
وهكذا، بدا التهجير الثاني امتداداً مباشراً للفوضى التي تلت سقوط النظام… لكنه؛ كان أيضاً اعترافاً قاسياً بأنّ المأساة لم تعد مجرد حدث، بل سياسة تُعاد صياغتها مع كل تبدّل في الخرائط.
كل ذلك يعني ببساطة:
التهجير أصبح سياسة وليس حادثاً مؤقتاً.
وبينما يستقر آلاف المهجّرين اليوم في مقاطعة الفرات بانتظار ما يشبه المعجزة السياسيّة، لا يزال السؤال مفتوحاً:
هل ستشهد عفرين تهجيراً ثالثاً؟
أم أن زمن العودة قد آن… ولو بعد هذا الخراب كله؟
No Result
View All Result