No Result
View All Result
عدنان الدوسري
المكان في السرد الروائي والقصصي يحتل دوراً محورياً، إذ لا يقتصر على كونه خلفية للأحداث، بل يتجاوز ذلك ليصبح عنصراً فاعلاً في تشكيل الشخصيات وبناء الحبكة ورسم أجواء الحكاية. فهو وعاء يحتضن الزمن والحدث، ويعكس البعد النفسي والاجتماعي للشخصيات، ويكشف عن هواجسها ومواقفها ويؤطر انفعالاتها. المدينة على سبيل المثال قد تتجلى رمزا للحداثة أو للاغتراب، بينما القرية غالباً ما تُقدّم كفضاء للبساطة أو تقليدية العادات، والبيوت بما تحتويه من تفاصيل تعكس دفء الأسرة أو العزلة والانكسار، حتى تتحول أحياناً إلى شخصية موازية للشخصيات الإنسانية.
في السرد العربي، نجد أن الأمكنة غالباً ما تأخذ دوراً رئيسياً في الأحداث، فهي تتفاعل مع الشخصيات وتؤثر في مسار الحكاية. ففي (ثلاثية نجيب محفوظ)، يمثل حي الجمالية في القاهرة فضاءً نابضاً بالحياة يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية ويختزن صراعات الأجيال، بحيث يصبح الحي نفسه عنصراً فاعلاً في النص. وفي رواية (غائب طعمة فرمان النخلة والجيران)، يغدو الحي الشعبي في بغداد شاهداً على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ويشارك في صياغة سلوكيات الشخصيات وتوجهاتها. (أما الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال) فقد جعل من القرية على ضفاف النيل فضاءً يعكس صراع الهوية بين الشرق والغرب، وبين الأصالة والانفتاح، ليصبح المكان عنصراً رمزياً مهماً.
وفي النصوص القصصية، نجد أن الأمكنة تلعب دوراً فعالاً كذلك. فعلى سبيل المثال، في (قصة عائد إلى حيفا) لغسان كنفاني، يصبح الحي الفلسطيني المدمّر فضاءً يعكس مأساة اللاجئين والحنين إلى الوطن، في حين أن الأماكن المتروكة تحكي تاريخ الأبطال الصامت. وفي قصص (الطيب صالح) القصيرة، غالباً ما تتخذ الصحراء والنيل والقرى أبعاداً رمزية تعكس الصراع الداخلي للشخصيات والهويات الممزقة.
ويتخذ المكان أحياناً بعداً رمزياً، فهو يتجاوز الوصف الحسي إلى ما يعكس مفاهيم أعمق تتعلق بالوجود والهوية والاغتراب. ففي (رجال في الشمس) لغسان كنفاني، تتحول الصحراء إلى رمز للموت والتيه الفلسطيني، بينما في (مدن الملح) لعبد الرحمن منيف تصبح المدن النفطية رمزاً للتغير الاجتماعي الجذري الذي شهده المجتمع البدوي.
وفي البحث عن (وليد مسعود لجبرا إبراهيم جبرا) تتحول فلسطين المحتلة والشتات العربي إلى أماكن رمزية تمثل فقدان الهوية والبحث عن الذات. ويظهر المكان النفسي في النصوص بوصفه انعكاساً للأزمات الداخلية للشخصيات. ففي حكايتي شرح يطول (لحنان الشيخ)، تبدو بيروت مزدوجة الملامح: مدينة للحب والحرية ومدينة للحرب والانقسام، مما يضاعف تمزقات الشخصيات الداخلية.
وفي (أيام الإنسان السبعة) لعبد الحكيم قاسم، يعكس فضاء القرية المصرية علاقة الإنسان بالأرض والموروث الشعبي والديني، فتتحول الأمكنة البسيطة إلى فضاءات للبحث عن المعنى.
المكان بوصفه ذاكرة وهوية يتجلّى في نصوص عديدة، فهو ليس مجرد خلفية للأحداث، بل يشكل عنصراً مركزياً في السرد. ففي (الزمن الموحش) لحيدر حيدر، يصبح المكان شاهداً على الانكسارات السياسية والخذلان الجمعي.
أما عند إلياس خوري في (باب الشمس)، تتحول الخرائب اللبنانية إلى نص بصري يروي حكاية الفقد والحنين، كما تتحول المقاهي والطرقات عند محفوظ إلى مساحات للحوار وتشكيل الوعي الجماعي.
يتضح أن المكان في السرد العربي ليس مجرد مسرح جامد، بل هو بطل خفي يتحدث بلغة الرموز ويقود القارئ إلى أعماق النص ويوسع فضاء التأويل. فهو مرّة واقعي يرسّخ النص في بيئته، ومرّة رمزي يفتح آفاق المعنى، ومرّة نفسي يترجم أعماق الشخصيات، ومرّة ذاكرة تحفظ تاريخ الأوطان والناس. ومن هنا تبرز أهمية دراسة الأمكنة في الأدب العربي لفهم النصوص وتأمل العلاقة الجدلية بين الإنسان والعالم.
وقد تناول النقاد العرب هذه المسألة بعمق، إذ ترى (يمنى العيد) في الراوي: الموقع والشكل أن المكان ليس مجرد إطار خارجي بل هو “مكوّن أساسي في تشكيل دلالات النص”. بينما يشير (فيصل درّاج) في نظرية الرواية والرواية العربية إلى أن المكان يضطلع بدور محوري في تحويل الرواية إلى خطاب اجتماعي وثقافي. أما (سعيد يقطين) في انفتاح النص الروائي فيربط بين المكان والبنية السردية ليبين كيف يصبح فضاء الرواية امتداداً للخيال والتاريخ معاً.
المراجع:
-
يمنى العيد. الراوي: الموقع والشكل. بيروت: دار الفارابي، 2005.
-
فيصل دراج. نظرية الرواية والرواية العربية. عمان: دار الفكر العربي، 2010.
-
سعيد يقطين. انفتاح النص الروائي. الدار البيضاء: منشورات مختبر النقد، 2007.
-
نجيب محفوظ. ثلاثية القاهرة: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1957–1967.
-
غائب طعمة فرمان. النخلة والجيران. بغداد: دار الطليعة، 1967.
-
الطيب صالح. موسم الهجرة إلى الشمال. الخرطوم: دار السودان، 1966.
-
غسان كنفاني. رجال في الشمس. بيروت: دار الآداب، 1963.
-
عبد الرحمن منيف. مدن الملح. عمان: دار الآداب، 1984–1989.
-
جبرا إبراهيم جبرا. البحث عن وليد مسعود. بيروت: دار الآداب، 1978.
-
حنان الشيخ. حكايتي شرح يطول. بيروت: دار الآداب، 1980.
-
حيدر حيدر. الزمن الموحش. بيروت: دار العودة، 1992.
-
إلياس خوري. باب الشمس. بيروت: دار الآداب، 1998.
No Result
View All Result