No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
تتعدّد أجناس الأدب النثري من القصّة القصيرة إلى المسرحية والرواية والخاطرة، وقد نجد أديباً تتّسع قريحته لها جميعاً، ومنهم من يأخذه جنس أدبي واحد خلال مسيرته الأدبية، وإذا ما توقّفنا على فن الرواية نجد كتّابه قليلين إلى حد ما في شمال وشرق سوريا، ولا تعود القلّة لانعدام الموهبة، بل لأن الرواية فن طويل ولا ينجزه الأديب خلال أيّام، وإنما يحتاج وقتاً طويلاً، كما أرجع بعض النقّاد القلّة بعدد الروائيين إلى تراجع القراءة بشكل عام، حيث بات جمهور الأدب يميل إلى الإيجاز، وهو ما لا يتوفّر في الرواية على عظيم شأنها وجمال أسلوبها وتأثيرها في النفس، ورغم ذلك؛ فإن الأدب ولّادٌ بالمبدعين الذين يكتبون الرواية، ولا يبخلون على جمهورها.
قلّة الرواية والروائيين
توقّفت الرواية في شمال وشرق سوريا عند محطّاتٍ كثيرة، وواجهتها تحدّيات كبيرة خاصة في مرحلة الأزمة السورية على مدار أربعة عشر عاماً، وربما يذهب بعض النّقّاد إلى أن كتّابها الشباب لا يتجاوزون في بعض الأحيان عدد أصابع الكفّين، فكانت القصة القصيرة طاغية على غيرها من الأجناس الأدبية النثرية عند الشباب، وربّما أن هناك أسباباً أخرى يعود إليها عدم ظهور كتّاب يحملون راية الرواية عالياً في عالم الكتابة، تتمثّل في عدم وجود أرضية صلبة يتوقف عليها الكتّاب خاصة إذا كانت الكاتبة أنثى في مجتمع مازال يعدُّ الكتابة خطيئة في بعض الأحيان، حينها تصبح الكتابة حاجة وليست رفاهية عند المرأة، تتحدّى من خلالها ذاتها وتتمرد على القيود، فتثبت أنها تستطيع أن تكون أديبة ومتعلمة وأكاديمية في اختصاص ما، عندما تختار أن تدخل عالم الكتابة من بوّابة الرواية، وهذا يكون شاقّاً على الكتّاب من ذوي الخبرة في الكتابة، فكيف بفتاة لم تتجاوز ثلاثة وعشرين ربيعاً؟
الحقوق والهندسة والرواية في أنثى واحدة
تنتمي الحقوقية والمهندسة والكاتبة ريمان محمود إلى مدينة قامشلو، بطموح كبير، وحلم يراودها منذ الطفولة، كبر معاً في شخصيتها على مدار سنوات عمرها، وهي تبحث عن ذاتها على مدرجات كلية الحقوق، هذا الفرع الدراسي الذي كان مخصصاً في مجتمعاتنا للذكور فقط في مرحلة ما، لتتحدّى بذلك العقبات في شخصية المحامية الواثقة من حضورها، وهي تنظر إلى ميزان العدالة الذي يرتسم في المحكمة خلال مرحلة التمرين، بمثالية قل نظيرها، تنظر إلى القانون على أنه إما مظلوم لا يساور العدالة فيه الشك، وإما ظالم كفلق الصبح تنتصف منه العدالة، وفي معترك الحياة وجدت ريمان محمود إجازة الحقوق سلاحاً تحمي به نفسها في عالم يغرق في التناقضات.
المثالية العالية في شخصية الحقوقية أخذتها إلى شخصية أخرى موازية في الهندسة المعمارية التي أخذت من سنيّ عمرها اليسير، إلى أن بدأت تتكشّف خفاياها على مقاعد الدراسة من خلال اكتشاف الشخصيات والغوص في تفاصيلها، ليكبر الفضول في نفس ريمان محمود وتبحر في كتب علم النفس لتعلم تركيب كل ذات على حدة، كل ذلك كشف عن كاتبة مفعمة بمشاعر مكثفة بدأت تترجمها مباشرة بكتابة روايتها الأولى.
ملامح الرواية في شخصية الكاتبة
وفي حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” أوضحت الحقوقية والمهندسة والكاتبة ريمان محمود، أن قرارها بكتابة الرواية جاء بعد صراع طويل مع الذات وولادة مشاعر مختلطة بداخلها وطاقة لا تنطفئ حتى وجدت نفسها أمام شخصيات تراكمية في قريحة أصبحت تقودها لسرد متواتر بشدة، لتطلق العنان لقلمها، وعند سؤالها عن سبب اختيارها جنساً أدبياً عصي القياد بطبيعة الحال أجابت: “سردية النص والشعور لا أختار شكلاً فنياً لها، بل تختار ذلك ببيانها وأسلوبها وشخصياتها ونفسها الطويل القائم على الحبكة والتصوير والحوار والبعد النفسي لكل شخصية تختلف عن الأخرى، ولكنها تعكس روح الكاتب بطريقة أو بأخرى، ما يأخذ القارئ لعوالم الكاتب عفو الخاطر” وتابعت: “الفكرة تولد والطفل حين يولد لا يتوقف نموه، وكذلك الرواية تحتاج عمراً للنضوج، فأجد نفسي متصلة خلال صحوي ونومي بخيال مثير أنفصل فيه عن الواقع تماماً، وأرسم على أوراقه كل ما أعيشه في قاعة المحكمة أو ما أتلقاه من حكايا الصديقات والأصدقاء، فيولد بطل أسطوري في روايتي، يلتقي بفتاة أحلامه من محيطي الآخر، هكذا حتى تنسج الحكاية وشاحها بلا انقطاع”.
وفيما يلي تكشف الكاتبة ريمان محمود بقطعة من روايتها التي مازالت قيد الكتابة عن مضامين الشخصيات التي مازالت تنسج الحكاية وتمضي في طريقها إلى القمة مصطحبة من تطفئ ضوء الحياة في عينيها لتنير الحياة في قلب إحداهن.
“انحلّت مكابح عواطفي المليئة بالمداخل الشعورية والرومانسية، توارى خلف وجه مشوّه بعدما اقتحم أسوار قلبي وهدم سدودها، حتّى شربت كأس الدناسة طواعية دون علمي، حماقة قديمة ارتكبتها…..”.
تتابع ريمان: “كان دائماً يقول لي: أنا تنين أسود… ما كنت أصدق أقاويله من شدة أناقة نطقه، ومهارته في العبارات المنمقة… كان يشعرني بأن لا بد أن أشكره على تقديم النصائح التي كان يقدمها على طبق من ذهب”.
يتصاعد المشهد تتراءى الحركات أما ناظر القارئ، ترسمها ريفان بإتقان: يركض بخوف جامح لينقذ روز من بين يدي مخلوق مرعب.
كأن كل ماضيه وماضيها ينهاران في لحظة.
سارة تصيح:
إياااااد!!
لكنّه لم يسمع الطنين في أذنه أعلى من صوتها.
صرخاتها تكاد تهدم جدران المنزل، وهو لا يرى إلا ظل روز يبتعد.
سرعان ما أنقذته من هذا الكابوس الواقعي عندما ارتطم بروز في استراحة الدرج، حبسها بين ذراعيه كأنه أصيب بالجنون، لا يُبصر ما حوله.
التقطتها سارة هي الأخرى، وأخذتها بين أحضانها.
اتسعت عينا روز واختفت الابتسامة التي كانت متسمّرة بها، صعد إياد على الدرج بصعوبة مرهقة حتى أمسكت بهما روز: ما بكم؟ ماذا هناك؟”…..
تخطو الحقوقية والكاتبة ريمان محمود في عالم الكتابة خطواتها الأولى في تحدٍّ كبير يأخذ من الروح والجسد معاً، ولا يلبث أن يصبح ذاتاً أخرى في ذاتها، ويُذكر أن ريمان محمود حاصلة على إجازة في الحقوق من جامعة الفرات وإجازة في الهندسة المعمارية من جامعة دمشق.
No Result
View All Result