شكّلت المراجعات الفكرية التي قدّمها القائد “عبد الله أوجلان”، ولا سيما منذ مطلع الألفية الثالثة، نقطة تحول في مقاربته لمسألة الدولة والمجتمع، فبعد أن كان التركيز في أدبياته المبكرة ينصب على قضية الدولة القومية، اتجه لاحقاً إلى نقد هذا النموذج، معتبراً أن الدولة الحديثة، مهما اختلفت أنظمتها السياسية، تقوم في جوهرها على مركزية السلطة واحتكار القرار وإضعاف المبادرات المجتمعية.
وانطلاقاً من هذه القراءة، طرح القائد أوجلان مشروعاً بديلاً يقوم على إعادة المجتمع إلى موقعه الطبيعي باعتباره الفاعل الأساسي في تنظيم الحياة العامة، ويقوم هذا المشروع على مفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية»، التي لا تُقدَّم بوصفها دولة جديدة، بل باعتبارها شبكة من المجتمعات الذاتية والمؤسسات المدنية والمجالس الشعبية التي تنظم شؤونها بنفسها، مع التنسيق فيما بينها على أساس الإرادة الحرة والتعاون. ويعد هذا التصور أحد أبرز أشكال إحياء الفكر الكومينالي في العصر الحديث، إذ يمنح المجتمع، وليس الدولة، الدور المركزي في إدارة مختلف جوانب الحياة.
الكومين… الخلية الأولى للمجتمع
ويضع القائد عبد الله أوجلان «الكومين» في قلب مشروعه الفكري، ويراه الوحدة الأساسية التي تنطلق منها جميع مؤسسات المجتمع الديمقراطي، والكومين، وفق هذا التصور، هو تجمع لسكان حي أو قرية أو منطقة جغرافية محددة، يجتمع أفراده بصورة دورية لمناقشة القضايا التي تمس حياتهم اليومية واتخاذ القرارات المتعلقة بها، ولا يقتصر دور الكومين على الجانب الإداري، بل يمتد إلى مختلف المجالات، من الخدمات والتعليم والصحة والاقتصاد المحلي، إلى حل الخلافات الاجتماعية وتشجيع المبادرات التطوعية وتعزيز التضامن بين السكان.
ومن داخل الكومين تُشكَّل لجان متخصصة تعنى بقضايا “المرأة، والشباب، والاقتصاد، والبيئة، والتعليم، والخدمات، والصلح، الحماية، وغيرها”، ثم ترتبط هذه الكومينات بمستويات أوسع من المجالس، وصولاً إلى هيئات تنسيقية تعمل على تحقيق التكامل بين المناطق المختلفة دون أن تلغي استقلالية كل كومين في إدارة شؤونه، وبذلك يصبح اتخاذ القرار عملية تصاعدية تبدأ من المجتمع نفسه، بدلاً من أن تُفرض من مؤسسات مركزية بعيدة عن المواطنين.
الأمة الديمقراطية… المجتمع قبل الدولة
ومن المفاهيم المحورية في فكر القائد “عبد الله أوجلان” أيضاً مفهوم «الأمة الديمقراطية»، الذي يقدمه بديلاً عن الدولة القومية. ففي حين تقوم الدولة القومية، بحسب رؤيته، على هوية واحدة وسلطة مركزية وحدود سياسية صارمة، تقوم الأمة الديمقراطية على التعددية الثقافية والقومية والدينية، وعلى حق المجتمعات المختلفة في تنظيم نفسها ضمن إطار ديمقراطي مشترك، ويؤكد القائد “عبد الله أوجلان” أن وحدة المجتمع لا تتحقق بالضرورة عبر سلطة مركزية قوية، بل من خلال المشاركة الحرة والتوافق بين شعوبه المختلفة، بحيث تصبح الديمقراطية ممارسة يومية تبدأ من الحي والقرية، لا مجرد عملية انتخابية تُجرى كل عدة سنوات، وفي هذا السياق، يربط بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية، معتبراً أن المجتمع الديمقراطي لا يقوم على الحقوق وحدها، بل أيضاً على مشاركة أفراده في تحمل مسؤولية إدارة الشأن العام.
المرأة والبيئة والاقتصاد المجتمعي
ولا يقتصر المشروع الكومينالي لدى القائد عبد الله أوجلان على إعادة تنظيم المؤسسات السياسية، بل يمتد ليشمل إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويحتل تحرر المرأة موقعاً مركزياً في هذا المشروع، إذ يرى أن تاريخ السلطة ارتبط تاريخياً بإخضاع المرأة، وأن بناء مجتمع ديمقراطي يتطلب مشاركة متساوية وفاعلة للنساء في جميع مستويات صنع القرار، ولذلك يدعو إلى تمثيل المرأة في مختلف المؤسسات، وإلى تطوير آليات تضمن حضورها الحقيقي في الحياة السياسية والاجتماعية (جنوار “قرية المرأة” نموذجاً).
كما يمنح المشروع أهمية خاصة للقضايا البيئية، انطلاقاً من فكرة أن الإنسان جزء من الطبيعة وليس سيداً عليها، ويرى أن النموذج الاقتصادي القائم على الاستهلاك غير المحدود واستنزاف الموارد الطبيعية أدى إلى أزمات بيئية عالمية، الأمر الذي يستوجب تبني اقتصاد مجتمعي يوازن بين حاجات الإنسان ومتطلبات الحفاظ على البيئة، أما على الصعيد الاقتصادي، فيشجع أوجلان على إنشاء التعاونيات والمشاريع المجتمعية، معتبراً أن الاقتصاد ينبغي أن يخدم المجتمع، لا أن يتحول إلى أداة لاحتكار الثروة وتعميق الفوارق الاجتماعية.
الحياة الكومينالية بين النظرية والتطبيق
وتستند الحياة الكومينالية، في جوهرها، إلى فكرة أن المجتمع يمتلك القدرة على تنظيم نفسه من خلال المشاركة المباشرة، وأن الديمقراطية تصبح أكثر عمقاً عندما تُمارس يومياً داخل المجالس والكومينات، لا عندما تقتصر على الانتخابات الدورية، ويرى مؤيدو هذا النموذج أنه يحقق عدداً من الأهداف الهامة، منها توسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز الرقابة المجتمعية على المؤسسات، وتقليص البيروقراطية، وتشجيع العمل التعاوني، وتنمية روح المسؤولية الجماعية، إضافة إلى منح الفئات المهمشة، وفي مقدمتها النساء والشباب، مساحة أوسع للمساهمة في صنع القرار، كما يشيرون إلى أن الإدارة الذاتية القريبة من المواطنين تكون أكثر قدرة على فهم احتياجات المجتمع والاستجابة لها بسرعة، مقارنة بالمؤسسات المركزية التي قد تعاني البطء والتعقيد الإداري.
وفي المقابل، يطرح باحثون ومفكرون آخرون تساؤلات حول مدى قدرة هذا النموذج على إدارة مجتمعات كبيرة ومعقدة، خصوصاً في الملفات التي تتطلب تنسيقاً واسعاً، مثل السياسة الخارجية، والدفاع، والاقتصاد الوطني، وإدارة البنى التحتية الكبرى، ويرى هؤلاء أن نجاح الكومينالية يتوقف إلى حد بعيد على مستوى الوعي المجتمعي، ووجود ثقافة سياسية قائمة على الحوار والتوافق، إضافة إلى بيئة مستقرة تسمح بتطور المؤسسات المحلية، وبذلك تبقى الحياة الكومينالية موضوعاً مفتوحاً للنقاش، يجمع بين الطموح إلى توسيع المشاركة الشعبية، وبين التساؤلات المتعلقة بآليات التطبيق في الدول الحديثة.
رؤية تتجاوز السياسة
وربما تكمن أهمية الطرح الكومينالي في أنه لا ينظر إلى الديمقراطية بوصفها نظاماً انتخابياً فحسب، بل باعتبارها أسلوب حياة يبدأ من العلاقات اليومية بين الناس، فالمجتمع، وفق هذا المنظور، لا يكون مجرد متلقٍ لقرارات السلطة، بل يصبح منتجاً لها، من خلال النقاش والحوار والعمل الجماعي، ومن هنا، فإن الحياة الكومينالية لا تعني إلغاء مؤسسات التنظيم أو الإدارة، بل إعادة توزيع السلطة بصورة تمنح المجتمع دوراً أكبر في إدارة شؤونه، مع الحد من احتكار القرار وإتاحة المجال أمام المبادرات الذاتية المحلية، وقد أعاد هذا التصور إحياء نقاش فلسفي قديم حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحول ما إذا كانت الدولة هي الإطار الوحيد الممكن لتنظيم الحياة العامة، أم أن المجتمعات قادرة على ابتكار صيغ أكثر مرونة وتشاركية لإدارة نفسها.
ومن المجتمع الطبيعي الذي عاشت فيه التجمعات البشرية، مروراً بالبلديات الحرة في أوروبا، ثم كومونة باريس التي تحولت إلى رمز للحكم الشعبي، وصولاً إلى مشروع القائد والمفكر “عبد الله أوجلان” حول الكومين والكونفدرالية الديمقراطية، ظل البحث عن مجتمع أكثر عدالة ومشاركة حاضراً في الفكر الإنساني بمختلف مدارسه، وتُظهر هذه المسيرة التاريخية أن فكرة الحياة الكومينالية ليست مجرد نموذج إداري، بل رؤية فلسفية تقوم على إعادة الاعتبار للمجتمع بوصفه المصدر الأول للتنظيم والقرار، ففي هذا التصور، تصبح الديمقراطية ممارسة يومية، ويغدو الإنسان شريكاً في إدارة شؤون مجتمعه، لا مجرد متلق لقرارات السلطة.
وفي الوقت نفسه، فإن التجارب التاريخية والنقاشات الفكرية تكشف أن نجاح أي نموذج كومينالي يرتبط بظروفه السياسية والاجتماعية والثقافية، وبقدرته على التوفيق بين الإدارة الذاتية ومتطلبات التنسيق العام، وهو ما يجعل هذا الفكر مجالاً مفتوحاً للحوار والتطوير، أكثر من كونه نموذج نهائي أو مكتمل الأركان، وفي عالم تتزايد فيه الدعوات إلى توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز دور المجتمعات المحلية، تستمر الحياة الكومينالية في طرح سؤالها الجوهري: “هل يمكن بناء مجتمع ديمقراطي يبدأ من الناس أنفسهم، قبل أن يبدأ من مؤسسات الدولة؟”، وهو سؤال ما يزال يحفّز الباحثين والمفكرين وصناع القرار على إعادة التفكير في العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الحرية والتنظيم، وبين الدولة والإنسان.
المصادر
– “كارل ماركس” الحرب الأهلية في فرنسا.
– “موراي بوكتشين” البلدية التحررية.
– القائد “عبد الله أوجلان” مانيفستو الحضارة الديمقراطية ـ سوسيولوجيا الحرية.