بدر الروقي
كثيرة هي الأمنيات التي تمر بنا، ونرغب بامتلاكها ولو على سبيل اللحظة الخاطفة.
لعل منها -أمنية-أن يكون أحدنا شاعرا؛ ليستطيع التعبير عن موقف عابر مر به، أو يصف بحرفه مشهدا بديعا انثال في خياله، أو ليمتدح به شخصا عزيزا ترك في حياته جملة من الذكريات الجميلة والمواقف النبيلة ونحو ذلك مما لا يستطيع -امتلاكه وإدراكه إلا الشاعر المجبول صاحب الحس المرهف والمخزون الواسع، والتجربة الثرية.
لذلك؛ تجدنا حينما – تُغنَّى – على مسامعنا القصيدة المحترفَة وباختلاف أغراضها نتمثَّل ونتقمص دور الشاعر في كتابتها ومعايشتها وترديدها وكأننا نحن شعراؤها؛ لما تحمله من صدق المعنى، وعذوبة التناول، وعفوية الطرح. وهذا إن دل -يدل على تأثير الشاعر، وحسن اختياره، وحجم موهبته.
الشاعر العبقري هو الذي يكتب ما يلامس الناس في أبسط صورة، من غير تعقيد ولا تقليد. وبأسلوبه وسلاسته يطوِّع ما استُصعب ويستنطق ما جمد، ويحرك ما سكن.
الشاعر المتمكن من استطاع أن يجعل قصيدته رواية مشوقة ما ينتهي المتلقي من قراءة أو سماع بيت منها إلاَّ ويتلهف للذي يليه؛ ذلك لما تتضَمنه من وحدة الموضوع، وقوة التركيب، وترابط الفكرة وتماسك البناء، وقبل ذلك جمال الأسلوب، وعنصر التشويق.
الشاعر هو ذلك الحر الذي لم يستسلم يوما لعبودية المجاملات، ولم يقع في رق المداهنة على حساب الشعر؛ لأن الحروف والكلمة قبْلَته وقبيلته، وهَويته وهوايته التي يعرف ويتعرف من خلالها على الكم الهائل من الإبداع داخله، ثم إنه حينما يصوغ حروفها يجد -قيمته وقمَّته-التي يتربع فوقها محفوفا بإعجاب أهل الشعر وهواة الكلمة.
الشاعر الحذق لا ينتهي به المطاف هائما في أودية العصبية المنتنة، بل هو – مَنْ بإمكانه أن يصنع بحرفه واحترافيته من الوحل جدولا، ومن الجدب خصوبة تأسر وتسر الناظرين.