إن بحثنا في أروقة التاريخ عن دور المرأة في بناء المجتمعات منذ بداية البشرية، سنكتشف الدور الألوهي لها في تلك المرحلة التي سميت بمرحلة نظام الأمومة، وفيها كان المجتمع يدار من المرأة حيث التعايش الكومينالي؛ كل فرد له دور ومهام ومسؤولية، بعيداً عن السلطة أو الاستبداد أو العبودية، إلى أن اغتصبت حقوق المرأة وامتيازاتها، وبذلك بدأت مرحلة نظام الأبوة (البطرياركي) ليكشف عن أنيابه، من هنا بدأ جذور الديكتاتورية والتسلط تتمدد بريادة الجنس الذكوري، لتقلص دور المرأة الأساسي في المجتمع والأسرة، وتؤدي إلى حرمانها من حقوقها المشروعة، واستعبادها وتعنيفها بشتى الوسائل.
بقي الوضع على ما هو عليه، ولليوم لازالت هناك أساليب تمارس في المجتمعات، ولكن لم تقف المرأة مكتوفة الأيدي لم ترضَ بالواقع العبودي المعنف، وكانت جريمة الاغتيال التي ارتكبت بحق الناشطات السياسيات الأخوات ميرابال من جمهورية الدومنيكيان، من الحاكم رافائيل تروخيو 1960 دفع للمطالبة بإيقاف العنف الممارس بحق المرأة وردع أشكال الظلم، وخصص بذلك يوم عالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في 25 تشرين الثاني من كل عام، ولليوم تستمر مسيرة النضال النسوي ضد العنف السياسي والثقافي، والمجتمعي، حتى الاقتصادي.
في هذه المسيرة، كان للمرأة الكردية دور، في تسريع عجلة ثورة الحرية لها، وللمجتمع، وبفلسفة “Jin Jiyan Azadî المرأة الحياة الحرية” التي نادى بها قائد الأمة الديمقراطية؛ عبد الله أوجلان في أجزاء كردستان الأربعة، تدافع فيها المرأة عن حقوقها وحقوق المجتمع وشعبها، فثورة روج آفا في إقليم شمال وشرق سوريا (ثورة 19 تموز) المستمرة لليوم مثال حي على أنّ تغيير الذهنية في مجتمعات المنطقة، تحقق من خلال هذه الفلسفة، حيث قادت المرأة ثورتها في تلك البقعة الجغرافية، وضمنت حقوقها في العقد الاجتماعي الخاصة بالإقليم فكان لها نصيب المشاركة المتساوية في مؤسسات الإدارة الذاتية 50% إلى جانب نظام الرئاسة المشتركة والتي من خلاله ضمنت مشاركة رأيها في كل قرار يتخذ في المجالات كافة بإقليم شمال وشرق سوريا، ليس هذا فحسب، فقد كدحت من أجل تغيير الذهنية الأبوية المترسخة في المجتمعات، ليحظى كل فرد بحقوقه، واليوم شجرة تلك الجهود باتت تثمر، فقد أصبحت مثالاً تحتذى به جميع نساء العالم، اللاتي يتخذن فلسفتها نهجاً وميراثاً لهن.
وببناء سوريا الجديدة بعد سقوط النظام السوري السابق في الثامن من كانون الأول عام 2024، تلعب المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا دوراً جوهرياً لرسم خريطة الديمقراطية واللامركزية في المنطقة، مع ضمان حقوق المرأة في الدستور الجديد، مؤكدة بذلك بأنّ آلام المرأة السورية والتعنيف الممارس بحقها، قد أصبحا قوة دفع لها لاسترداد حقوقها التي حرمت منها عقودا طويلة.
وكما أكد القائد عبد الله أوجلان في رسالته المرسلة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة هذا العام “إنّ وجود المرأة ومكانتها ليس أمراً سهلاً، وأن التحرر أيضاً ليس بالأمر اليسير. لكن؛ على المرأة أن تخوض هذا النضال بعزم وإرادة، لتقوّي موقعها وتوجه ضربة حاسمة إلى جذور النظام الذكوري المهيمن في البنية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يجب أن تسعى لبناء حياة حرة وديمقراطية تكون فيها المرأة قيادية في صنع المستقبل”، ليؤكد القائد مرة أخرى بأن المرأة هي المعنية والمسؤولة وبفكرها ستبنى حياة ندية حرة، ومجتمع ديمقراطي خال من آفات الذهنية الأبوية.