No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
عندما تكون بيئة الشاعر سخيّةً بأشكال الألم، لابدّ أن تكون القصيدة تجليّاً مطلقاً للجمال، ولابدّ أن تتّشح القوافي بثوب البلاغة والبيان، ولاسيّما إذا كان الشاعر فارساً قد جمع عصور الأدب جميعها، وجاء بها وقد أسلمته قيادها بحب كبير.
أشكال القصيدة
استطاعت طائفة من الشعراء في شمال وشرق سوريا أن تحافظ على شكل القصيدة الكلاسيكية بأوزانها الخليلية، وشكلها العمودي مع التحديث بالمضمون بما يتوافق مع موضوعات الشعر، التي تطورت عبر هذه العصور، وبما يتمسّك بالشكل الذي أسلفنا الحديث عنه، وإذا كانت الكتابة موهبة لا يمتلكها كل من صبا إليها، فلابد أن تفرض شكلها وشعورها وصورها على قريحة الشاعر، دونما إذن أو قرار في الوقت الذي عدل كثير من شعراء العصر الحديث عن كتابة هذا الشكل إلى قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر على ما تثيره من جدل في أوساط الشعراء والنقّاد، ولأن الجزيرة والفرات أنجبا الكثير من شعراء القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة والشعر الشعبي، وهي على اختلاف أشكالها تتفتّق من أفق واحد حاملة شجن أبنائها وصدقهم وأحلامهم، فقد استطاع ابن مدينة الرقة الشاعر عمر الصرّان أن ينقش حروف اسمه بماء الذهب في لوح المبدعين خلال سنوات، حاملاً في شعره حب الفرات، وحب مدينة الرقة لينسج بهما وشاح البلاغة بإبداع منقطع النظير في قصيدة الشطرين.
القصيدة الكلاسيكية الحديثة
في حوار لصحيفتنا “روناهي” مع الشاعر عمر الصرّان، أشار إلى أن الشعر هوية مستمرة لا يمكن المساس بشكلها، ووجودها بأي حال من الأحوال، مبيّناً أن الشاعر يحمل قضايا وطنه وأوجاعه مهما كان الموضوع، الذي يكتب فيه، حتى وإن كان حبّاً أو غزلاً خالصاً فيقول في قصيدة “أنت لي وطن”:
يا حلوةً عادني من ذكرها طربُ
فيم الخصامُ وفيم الهجر والعتبُ
غضبي عليَّ هذا الصدُّ يقتلني
وكلِّ صدٍّ له فيما أرى سببُ
أعرضتُ عنك وما أعرضت فاتنتي
لكن فعلتُ أمام الناس ما يجبُ
تخونني نظراتٌ جدّ فاضحةٍ
ونظرة الحبّ صدقٌ ما به كذبُ
كلّ الحشود بعيني محض أخيلةٍ
ونور وجهك طافت حوله شهبُ
الشمس أنت وشمعٌ كل أجنحتي
فهل سيصمدُ شمعي حين أقتربُ
وتهت في لغتي فالصمت يجلدني
والحرف فوق فمي كالجمر يلتهبُ
أنا الشتات وأحلامي مشرّدةٌ
طال ارتحالي وجسمي شفه التعبُ
بأي مرسىً ألقي ضعف أشرعتي
كلّ الموانئ في عينيك تضطربُ
وأيّ أرضٍ ستنهي نزف قافيتي
منفىً ضلوعي وقلبي فيَّ مغتربُ
فلترحمي رجلاً ملّت قوافله
من الضياع إليه الحزن ينتسبُ
ملّ الشتاء جليداً في أصابعه
ومن أصابعك الأنوار تنسكبُ
مري بدفئك يا سمراء في جسدي
وأثمليني فأنت الخمر والعنبُ
وأنتِ لي وطنٌ إذ لم يعد وطني
إلا قصائدَ ترويها لنا الكتبُ
إليكِ أنسب تاريخي لأحفظه
فكل ما قيل في تاريخنا كذبُ
وأنت مملكةٌ لا حربَ تحرقها
ولا يعيث بها فُرْسٌ ولا عَرَبُ
كل القوانين من عينيك مولدها
وليس ما قالتِ الأفكار والخُطَبُ
إني التزمتُ بهذا الحب فالتزمي
وانسي جحافل من جاؤوا ومن ذهبوا”
استخدم عمر الصرّان مفردات جزلة تذكّر بفحول الشعر، ولغة تلامس روح العصر الحديث برسائلها وعواطفها المكثّفة، كما نظم قصيدته على البحر البسيط. “مستفعلٌ/فاعلٌ/مستفعلٌ/فعلٌ
وهو بحر يتّسع لكل أشكال الشعور المركّبة منها والبسيطة والمكثفة، ثم يجد الشاعر نفسه أمام محبوبته كسيراً قد خذلته الحياة وجردته من وطنه فجاء يبحث في عينيها عن وطن وجداني سرمدي، كما يستحضر التاريخ بكل وجوهه وهزائمه ويسقطه على حاضر يرى فيه شبيهاً له، فيغرق في يأسه متمرّداً على القيود، كما تعكس القصيدة حالة التشظّي والحزن المقيم في نفسه، حتى أصبح الحزن غاية وليس شعوراً ينتابه في حال كهذه.
جدل قصيدة النثر
عدَّ الشاعر عمر الصرّان كل نص لا يخضع للأوزان الخليلية بعمودها وتفعيلتها ليس شِعراً، مؤكداً بأن الوزن من أوجب الواجبات في قواعد كتابة القصيدة، وتابع أن هناك فرقاً كبيراً بين الشعر والنثر، فكل ما خضع لوزن وقافية فهو شعر، وما سواه يدخل في باب النثر وله أجناس عديدة منها الخاطرة والقصة القصيرة والرواية، كما شدّد أن على الكتّاب عدم الخلط بين الشعر والنثر، ومن لا يجيد الوزن فليذهب إلى جنس أدبي من أجناس النثر ولا يطلق عليه اسم القصيدة وهو أيضاً يدخل ضمن إطار الكتابة الأدبية، ولكن له تسميته الخاصة، ودعا الصرّان الأدباء الشباب إلى الإكثار من القراءة لأنها المقوّم الأساسي للشاعر وسبيله إلى غايته في الكتابة، وعند سؤاله عن الفرات قال الشاعر عمر الصرّان:
“أغنيات للفرات”
الحرف يكبو وتخبو في فمي الجملُ
وقـد ترجّل مـن عليائه الغـزلُ
لو كنت أكتب في حـواء ما عثرت
خيل القوافي فبعض الحبّ مبتذلُ
وبعضه كدمي مستملكٌ جسدي
فما أقول لنهرٍ فيَّ يرتحلُ
هذا الفرات عظيم لا يحيط به
نظم القصيد ولا مـا جئت أرتجلُ
معشوقتي درّة نامت بســـاعده
خود مهـفهفة في طبعها خجــلُ
كأنما خصرها بالســور مؤتزر
كأنما جفنها بالليل مكتحل
كأنما الشمس من أطلال جامعها
حباً تشع فأحداق الدنى نهل
للزيزفون على حيطانها عبـــق
يحكي لنا مـن حكايات الألى رحلوا
إنْ كل مـن سهروا مـن ليلها ثملوا
إن كل أهليها مـن طــيبة جبلوا
وإن يظل هنا رغــم الزمــان بها
صوت النواقــس بالتكبير يكتمل
إنا شــربنا بماء النهر وحدتنا
هو الحياة إليــه تنتهي الســبل
أعراسنا نغـم عاداتنا كرم
مـــوروثنا أدب هامـاتنا قـلل
فللمواويل نبض حـــين نــسمعها
وللذخيرة حـرف قطره عسـل
يا ابن الفـرات أمـــا تنفك مؤتلقا
نوراً لغيرك مــا تنفك تشــتعل
مـا أطفأتك عجاف في البلاد وهل
تطفي الشموس نبال الحقد والأسل
هذا الفرات ضياء مــن شـــواطئه
عبد السـلام ومـــن أمثاله شعل
وما ربيعة إلا بعـــــض من عشـقوا
وأقصدتهم بخـــــزر أعـــين نجل
مــن الظباء اللواتي قد وردن هنا
كأنما النــهر لما جئـنه ثمل
عبد الحمـيد ألا أهــديتني قلماً
لعل بعض الذي في خافقي يصلُ
لكي أخــط إلى عشتار أغنية
عاد الحصاد فعودي يا متى الأجل
ألم تري قمحنا قد صـار من ذهب
وفي الحقول تعالى الشعر والزجل
ذا عرسـنا نحن يا عــشتــار مجتمع
في كل ســـنبلةٍ يحيا لنا أمل
حكاية الحقل والمحراث ملحمة
ومن مآثرنا مــا ليـس ينتحل
فأي شعب سوانا كلما فتحت
به النوائب جرحـــاً راح يحتفل
لا بالجراح ولكن جـرحنا وجـــع
موحــــدٌ بيننا ما قدت النصـل
هنا التواريخ لا تخفى شـواهدها
في ضفتيه فسـل، ينبئكها الجبلُ
انظر بعينك مـن توتول تبصرها
لآخر الدهر منذ البدء تتصل
هرقلةٌ جعبرٌ ماري وكم سـطعت
بهذه الأرض مـن أمجــادنا دول
هنا هشامٌ تجلى مـن رصافته
هنا الملوك عـلى أعتـابها نزلوا
هنا الرشيد مشـى في ظل جـنتها
تعيذه الشمــسُ من أفــيائها حللُ
عذرا لمن نقلــوا التاريخ أو كتبوا
عذرا لمن عرفوا عذرا لمن جهلوا
عذرا عكاظ ومن في ساحه اجتمعوا
يمضـي الزمان ونحن البدء والأزل”
في القصيدة مواطن فخر كثيرة بتاريخ الرقة وفراتها وعلومها وأدبها وشخصياتها الخالدة خلال رحلة شيّقة أعدها الشاعر لقرّائه في الزمن،
وهنا يتحقق التوازن بين يأس الشاعر وأمله، بأدوات قوية تبدأ بشكل القصيدة وتنتهي بمضمونها، الذي يفتح آفاقاً بعيدة للقارئ مستخدماً لذلك مخزونه المعرفي والشعوري بإحساس منقطع النظير، مستفيداً لأجل ذلك من الآداب العالمية، التي اطلع عليها بطبيعة الحال بحكم اختصاصه في اللغة الانكليزية وآدابها؛ ما أثار هذا البعد في الاختصاص عن اللغة العربية تحدّياً كبيراً في نفس الشاعر ليثبت أن الإرادة والموهبة حين يجتمعان يولد الإبداع.
يذكر أن ابن مدينة الرقة الشاعر عمر الصرّان حاصل على إجازة في اللغة الانكليزية وآدابها، وهو من مؤسّسي “منتدى أقلام رقية” الذي انطلق منذ فترة ليست ببعيدة في مدينة الرقة، وله مشاركات كثيرة في مختلف الأمسيات واللقاءات الشعرية في شمال وشرق سوريا.
No Result
View All Result