No Result
View All Result
ألكساندرا محمد
هناك كتب تغيّر نظرتك للواقع، وكتب تغيّر نظرتك لنفسك، وكتب قليلة تفعل الأمرين في الوقت نفسه. بالنسبة لي، كانت رواية “المعلّم ومارغريتا” لميخائيل بولغاكوف واحدة من تلك التجارب النادرة التي شعرت معها أنني لا أقرأ عملاً أدبيًا فحسب، بل أواجه اختبارًا روحيًا وفكريًا متكاملاً.
دخلتُ صفحاتها باعتقاد naïve أنني سأجد رواية روسية كلاسيكية أخرى، وإذا بي أكتشف عملاً يخلق عالمه الخاص، ويضع قوانينه، ويجرّ القارئ ببطء نحو منطقة لا يستطيع الخروج منها كما دخل.
بين الواقعية والسحر… خطّ رفيع لا يعرفه إلا بولغاكوف
ما يُذهلني في هذه الرواية ليس السحر وحده، بل الطريقة التي يُدار بها السحر داخل عالم يبدو شديد الواقعية. موسكو في الثلاثينات بكل فوضاها البيروقراطية تصبح مسرحًا لظهور إبليس، ليس كرمز للشر، بل ككائن يجيد قراءة البشر أفضل منهم.
وربما لهذا بدا لي أن بولغاكوف لم يكن يحاول إثبات وجود “إبليس”، بل إثبات هشاشة الإنسان، وقدرته على التلاعب بالحقيقة، وتقديم القبح في هيئة فضيلة.
الرواية تجرّ القارئ إلى مواجهة نفسه
هل نخاف مما هو خارق للطبيعة؟ أم نخاف من أن يظهر كائن خارق ويكشف حقيقتنا؟، في “المعلّم ومارغريتا”، يبدو الخيار الثاني أكثر رعبًا بكثير.
مارغريتا: عندما يصبح الحب فعل مقاومة
بصراحة، لم تُدهشني الجرأة الفنية في الرواية بقدر ما أدهشني شكل الحب الذي تقدّمه. حبّ عنيد، صاخب، لا يعرف النصف. مارغريتا، ليست بطلة روائية، بل نموذجاً لامرأة قررت أن تتمسك بحبها حتى لو تطلّب الأمر دخول حفلة “شريرة الملامح” كاملة بمجموعة الساحرات والموسيقيين والضيوف الذين خرجوا لتوّهم من صفحات التاريخ.
هناك في الرواية لحظات شعرت فيها أن مارغريتا ليست شخصية، بل إعلاناً واضحاً بأن الحب قد يكون آخر أشكال الحرية في عالم خانق، وأن العاطفة عندما تُروى بصدق، تستطيع أن تهزم عبثية الواقع نفسه.
المعلّم: الكاتب الذي يكتب العالم… ثم يحترق فيه، أما المعلّم، فهو الكاتب الذي يحمل لعنته معه.
شخصية مثقلة بالخيبة، لكنها لا تتخلى عن يقينها بأن الكتابة ليست مهنة، بل قَدَراً.
قرأته كمن يقرأ اعترافًا طويلًا لجيل كامل من الكتاب، الذين يُحاكمون على خيالهم، ويُضطهدون على صدقهم، ويعودون رغم ذلك إلى الورقة البيضاء، لأنها الموضع الوحيد الذي يشبههم. ربما لهذا شعرتُ أن الرواية ليست قصة حب بين شخصين، بل قصة حب بين إنسان ونصّ كتبه بروحه كلّها.
عندما يصبح العبث أداة للمعرفة
الرواية ساخرة، نعم، لكنها ليست سخرية عبثية. هي سخرية واعية، ذكية، تحمل نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا أكثر عمقًا مما يبدو عند القراءة الأولى. بولغاكوف كان يكتب عن موسكو، لكنه أيضًا يكتب عن كل مدينة يحكمها الخوف والصمت والرقابة، وعن كل مجتمع يُعلّم ناسه أن الحقيقة يجب أن تلبس دائمًا قناعًا كي تصبح مقبولة.
ووسط هذا الواقع الملتبس، يبرز “؟ إبليس” شخصية تمتلك جرأة لم يملكها البشر:
أن تقول الحقيقة دون خجل.
أن تكشف القبح دون اعتذار.
أن تكون مرآة صادمة، لكنها ضرورية.
تجربتي الشخصية مع الرواية
لا أنكر أنني كنت أتوقف بعد كل فصل لأتنفس. الرواية تملك ثِقَلاً فكريًا، لكنها أيضًا تملك روحًا ساخرة تجعل القارئ يتصالح مع الحيرة التي تُسبّبها. هي من تلك الأعمال التي لا يمكن اختصارها في “أعجبتني” أو “لم تعجبني”، لأنها ببساطة تُشبه تجربة تظلّ تعمل في داخلك حتى بعد الانتهاء منها. خرجتُ منها وأنا أكثر يقينًا بأن الأدب العظيم هو الذي لا يمنحك الإجابات، بل يربكك بأسئلة لم تكن تعرف أنك تحملها.
خلاصة
“المعلّم ومارغريتا” ليست رواية سحرية، بل رواية واقعية جدًا… وهذا ما يجعلها مدهشة. عمل يضع القارئ أمام الحقيقة العارية:
العالم بلا خيال مكان يختنق، والحب بلا جرأة يصبح صدفة باهتة.
والأدب بلا مخاطرة يفقد قدرته على تغييرنا.
ربما لهذا السبب تبقى هذه الرواية حيّة، تقفز من جيل إلى آخر، وتصل إلينا كأنها كتبت بالأمس.
إنها رواية لا تُقرأ لتُفهم، بل تُقرأ لتُعاش… وكل قارئ يعيشها بطريقته.
No Result
View All Result