No Result
View All Result
عبد الوهاب بيراني
يبحث هذا المقال العلاقة الإشكالية بين الإبداع المسرحي الكردي والمشهد الثقافي العام في ظل البيروقراطية المؤسساتية والتحديات الاجتماعية والسياسية، يتناول المسرح الكردي بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية التي تعيد إنتاج الذاكرة الجماعية وتواجه محاولات الطمس والإقصاء، كما يحلل أبعاد حضور المرأة في النصوص المسرحية الكردية ودورها في تفكيك البنية الذكورية التقليدية، وينتهي المقال إلى أن أزمة المسرح الكردي ليست أزمة إمكانات وأزمة نصوص، بل أزمة رؤية ثقافية قاصرة للقائمين على إدارة الثقافة والفن، رؤية تعكس تناقضاً حاداً بين حيوية الإبداع الشعبي وركود المؤسسات الرسمية.
المسرح فضاء لتشكيل الوعي وأهمية المسابقات الأدبية
يُعد المسرح من أكثر الفنون التصاقاً بالبنية الفكرية للمجتمع، إذ يجمع بين الجمال والفكر في فعل إنساني يعيد مساءلة الواقع وتحويله مادة معرفية وجمالية، فهو فن يزاوج بين الرؤية النقدية والتجريب الفني، ويمنح الكلمة طاقة الفعل والمواجهة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المسابقات الأدبية والمبادرات الثقافية الخاصة بالنصوص المسرحية أهمية خاصة في تطوير الكتابة وتعميق الحس النقدي لدى الكتّاب الشباب. فالمسابقات الجادة تمثل مختبراً لتجريب أشكال تعبير جديدة، وتوفر بيئة تحفيزية تعزز التنافس الخلاق، وتعطي الكتابة المسرحية بعداً مؤسساتياً متصلاً بالحركة الثقافية الحديثة. لكن؛ هذا الدور لا يتحقق إلا في ظل شفافية ثقافية ومؤسسات تملك رؤية واضحة لدعم الإبداع، لا مؤسسات تكرس الخطاب الرسمي وتعيد إنتاجه في شكل مهرجانات رمزية أو مناسباتية، وتتعامل مع كل نشاط كواجب وظيفي، لا مهمة من مهام صناعة الحراك الثقافي.
المسرح الكردي بوصفه ذاكرة مقاومة
يُشكل المسرح الكردي أحد أهم المكونات الثقافية في المشهد الفني، إذ لا ينفصل عن السياق التاريخي والسياسي للشعب الكردي، الذي خاض صراعاً طويلاً من أجل الهوية والوجود.
من هنا، يصبح المسرح الكردي ذاكرة جمعية ومجالاً للمقاومة الثقافية، يوظف فيه المبدع التاريخ والأسطورة لتثبيت حضور الذات في مواجهة التهميش. لقد استلهم المسرحيون الكرد من التراث الشفاهي والملاحم الشعبية عناصر فنية مكنتهم من بناء دراما تستوعب المعاناة وتحولها إلى رمز إنساني. وبهذا المعنى، يتقاطع المسرح الكردي مع تجارب عالمية مثل مسرح بريخت الملحمي في بعده النقدي، ومسرح شكسبير في عمقه الإنساني، ومسرح سعد الله ونوس في نزوعه إلى تفكيك السلطة ومساءلة الواقع.
إن النصوص الكردية الحديثة لا تتعامل مع الأسطورة كمادة فولكلورية جامدة، بل تعيد إنتاجها في ضوء أسئلة الهوية المعاصرة، بحيث تتحول الملاحم القديمة من سومر والميتانيين والميديين من عمق التاريخ البعيد إلى ملحمة كوباني في الحاضر القريب، لتخلد رموز البطولة والمقاومة وتعزز البحث عن الحرية.
المرأة في المسرح الكردي.. من الصمت إلى الفعل
يحظى حضور المرأة في المسرح الكردي بمكانة مركزية، إذ تحولت المرأة من موضوع سردي إلى فاعل درامي يُعيد صياغة الصراع الإنساني والاجتماعي.
تتجسد قضايا المرأة المهاجرة، والنازحة والمهجرة، والعاملة، والمحاصرة داخل منظومة القيم الأبوية في شخصيات مسرحية تنطق بالألم والاحتجاج معاً. لقد وظفت النصوص الكردية الحوار الداخلي والمونولوج النفسي لتجسيد تراجيديا الوعي النسوي في مجتمع يمارس التمايز الطبقي والجندري، وتظهر هذه الرؤية بوضوح في نصوص تناولت مأساة “زين” في قصر أمير بوطان، أو معاناة النساء تحت خيام التهجير، أو قصة “خجي” التي تخلت عن أسرتها حباً بسيامند، أو في تجارب الهجرة القسرية بحثاً عن الأمان.
تعمل هذه النصوص على تفكيك البنية الذكورية للمجتمع، وإبراز التناقض بين الخطاب الاجتماعي المحافظ والواقع المعاش، ما يجعل مسرح المرأة الكردية فعلاً تحررياً بامتياز، يسائل السلطة والمجتمع معاً.
تراجيديا الإبداع وكوميديا المؤسسات
على الرغم من الغنى الجمالي في التجربة المسرحية الكردية، فإن المشهد الثقافي العام يعاني من اختلال بنيوي واضح يتمثل في غياب الرؤية المؤسساتية، وتهميش المبادرات الفردية أو الكومونية في تناول الكتابات المسرحية الجادة.
فما حدث في مهرجان “أوصمان صبري” الأدبي، الذي خصصت دورته الثامنة للمسرح، يعكس مأزقاً ثقافياً عميقاً، وتبدى ذلك من ندرة المشاركات الكتابية، وضعف التنظيم، وتجاهل الجهود الإبداعية الجادة، وقد تحول الحدث إلى كوميديا بيروقراطية تكشف عمق الأزمة التي يعيشها المشهد الثقافي الرسمي. إن المؤسسات الثقافية لا تعاني من نقص في الإمكانات، بل من قصور في الرؤية وافتقار إلى مشروع ثقافي متكامل يربط بين الإبداع والهوية. فهي تمارس شكلاً من “العنف الرمزي” ضد الكتابة الإبداعية عبر الإقصاء والتهميش، في حين تتبنى خطاباً دعائياً حول دعم الفن والثقافة.
تتجلى هنا المفارقة الكبرى ضمن طرفي معادلة غير متوازنة، فالكتّاب يكتبون بدافع الشغف والمقاومة، بينما تُمارس المؤسسات عليهم سلطة الإلغاء والتهميش.
وبين هذا وذاك، يتعمق الشعور باللا جدوى، وتتحول خشبة المسرح ساحة صراع بين الحرية والرقابة، وبين الإبداع والحسابات الشخصية.
نحو مشروع تحرري للمسرح الكردي
لتحرير المسرح الكردي من أزمته البنيوية، لا بد من بناء رؤية تحررية تعيد تعريف الثقافة بوصفها فعلاً مدنياً لا خاضعاً للوصاية الرسمية، والتي باتت من صلاحيات أفراد وعاملين في هياكل الثقافة والفن.
وان تجاوز الأزمة يقتضي إعادة الاعتبار للكاتب المسرحي بوصفه منتجاً للوعي، ودعم المسابقات المسرحية بوصفها مختبراً للنقد والتجريب، وتفعيل دور النقد الأكاديمي لتقويم التجارب وتوثيقها، وعدم تركها حقلاً للعابثين.
كما إن إعادة بناء المسرح الكردي يمر عبر تحرير الخطاب الإبداعي من الرقابة الذاتية، وربط الفعل المسرحي بالقضايا المجتمعية الكبرى، مثل حرية المرأة، والعدالة الاجتماعية، وحق الوجود الثقافي، والتنوع، وإعادة كتابة التاريخ بوجهه الحقيقي، وعبر فلسفة نقدية عميقة، وعدم الارتكاز إلى قواعد قديمة زرعها فكر رجعي لم يرَ أكثر من أرنبة أنفه.
فالمسرح الكردي، ولكي يكون معاصراً، يجب أن ينفتح على الفلسفة والفكر، وأن يتحول إلى منبر نقدي للسلطة، والعقل الجمعي على حد سواء.
التناقض بين الإبداع والتراجيديا المؤسساتية
يُظهر المشهد الثقافي الكردي اليوم مفارقةً صارخة بين الطاقة الإبداعية للمجتمع وبين تراجيديا البنية الثقافية الرسمية. فالمؤسسات التي يفترض أن ترعى الفن أصبحت تمارس تهميشاً ممنهجاً له، مكرّسةً ثقافة الشكل دون الجوهر، والاحتفال دون المضمون. إن هذا التناقض بين المشهد الإبداعي الحيّ والجمود المؤسسي يمثل جوهر الأزمة الثقافية الراهنة.
لقد تحولت الثقافة الرسمية إلى كوميديا سوداء تدار بخطاب رمزي اتكالي، وفي غياب أهله وصناعه الحقيقيين، في حين يواصل المسرح رغم كل شيء أداء دوره التاريخي في تمثيل الإنسان الكردي وهمومه.
فالمسرح الكردي، بما يحمله من طاقة رمزية وجمالية، ومن خلال المعاهد الفنية المسرحية المتخصصة، وكومينات المسرح، والفرق المسرحية الخاصة لن يكون شاهداً على التهميش، بل سيظل فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية، ينحت المعنى وسط الركام، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي هو ما يتجاوز حدود المؤسسة ليخاطب جوهر الإنسان.
No Result
View All Result