No Result
View All Result
خديجة ميرزا (إعلامية)
في كل بيت حكاية، وفي كل حكاية امرأة تحلم أن تستيقظ دون خوف، لكن السلام يصبح أحياناً رفاهية صعبة أمام جدران تحفظ الوجع بدلاً من الأسرار، فالعنف ضد المرأة ليس حادثاً طارئاً، ولا خلافاً عائلياً عابراً، إنّه ثقافة تتناقلها الأجيال دون وعي، وتكبر مع كل مرة تُبرَّر فيها الإهانة أو يُطلَب الصمت.
فالبيت الذي يُفترض أن يكون مساحة الأمان الأولى، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى مصدر الخوف، حيث تنشأ الأنثى على لغة تُعلّمها أنّ الصمت فضيلة، وأنّ الخوف طاعة، وأنّ الألم جزء طبيعي من أن تكون امرأة، وهكذا تتشكّل دائرة مغلقة، ثقافة تبرّر العنف ونساء يُجبرن على تحمّله.
تقول الكاتبة والفيلسوفة الفرنسية “سيمون دي بوفوار: “لا تولد المرأة امرأة، بل تُصبح كذلك” في إشارة إلى أنّ المجتمع هو من يصنع تصوّرات الهشاشة والضعف، التي تُلصق بالنساء وتفتح الباب أمام ممارسات العنف بحقّهن.
إنّ أخطر ما يواجه ضحايا العنف ليس الألم الجسدي وحده، بل ذلك الصوت الاجتماعي الذي يلومهنّ ويتواطأ مع الجاني، فكم من امرأة تعرّضت للأذى وقيل لها: “تحمّلي، هيك الرجال أو استري عليه كرمال الأولاد”، بهذه الجُمل العابرة تُمنح الشرعية للعنف، ويتحوّل الصمت إلى مشاركة خفية في الجريمة.
العنف لا يبدأ عند أول صفعة، إنّه يبدأ عند أول كلمة تقلّل من قيمة المرأة، يبدأ عندما تُربَّى الفتاة على أن تتحمل دائمًا، والولد على أن يسيطر دائماً، يبدأ عندما نُطْفِئ صوت الأنثى لأنها بنت، ونغذي غرور الذكر لأنّه رجل، هكذا ننشئ مجتمعاً يؤمن بأنّ للمرأة مكاناً أدنى، ومن هذه التربية تبدأ الحكاية. منذ طفولتها تُعلّم بعض الفتيات، أنّ جسدهن مصدر للخطر، وصوتهن مصدر للعار، وفي المقابل، يُلقّن بعض الصبيان أنّ الرجولة قوة حتى لو كانت قسوة، وأنّ الغضب حق لهم حتى لو كان أذى لغيرهم، وأنّ السيطرة فطرة حتى لو سلبت حرية إنسانة كاملة فيُبنى بذلك أول جدار من جدران العنف والتمييز.
تقول الكاتبة المصرية “نوال السعداوي” الصمت هو أول جرائمنا ضد أنفسنا، والكلمة هي أول خطوات التحرر، لكن كم امرأة خُنقت كلماتها؟ كم واحدة اعتقدت أنّ الصمت أمان فانتهى أن يكون مقبرتها؟
فالعنف ليس فقط يداً ترتفع، هناك عنف النظرة، وعنف الكلمة وعنف الحرمان، عنف يترك كدمات على الجسد، وعنف يترك جروحاً في الروح لا تُرى، ولا تلتئم بسهولة.
تؤكد الشاعرة “مي زيادة”، إنّ كرامة المرأة من كرامة المجتمع، فإن هانت هان معها كل شيء، فكيف نتوقع من مجتمعٍ يهين نساءه أن يزدهر؟ ومن طفلٍ يرى أمه تُهان أن يحترم امرأةً في المستقبل؟ وكيف تُطلَب العدالة من امرأة تخشى أن تعلن ظلمها للعالم؟
العنف ضد المرأة ليس قضية نسوية فقط، بل قضية مجتمع كامل، لا يتحرّر أحد فيه ما لم تتحرّر النساء من الخوف، الحكاية تبدأ من البيت، لكن بإمكانها أن تنتهي بثقافة تحمي لا تقمع، وكل صوت يرفض العنف، هو خطوة نحو عالمٍ أكثر عدلاً وأكثر إنسانية.
No Result
View All Result