No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
فيما تحتفل حروف برسم كلمة ذات معنى، تتألّم حروف أخرى وهي تنسج وجعاً أزليّاً يسكن في الروح عندما تمتهن الكتابة، فلا ينجو الكاتب أو الكاتبة من قدر الدمعة الذي يلازم كل نص جديد حتى وإن كان غزلاً أو مديحاً، تلك سجايا الكتّاب والكاتبات في الجزيرة السورية.
الذّات والكتابة

وُلدت الكاتبة نسرين خوجة عام 2003 في مدينة عامودا، ضمن عائلة تقدّر الأدب وتدفع أبناءها باتجاه العلم وكل ما من شأنه أن يطوّر الفرد في حياته العملية، بدأت دراستها الابتدائية في مدرسة المتنبي، وتابعت دراستها الإعدادية في مدرسة بديع خلو، وأكملت دراستها الثانوية في ثانوية الكواكبي. كانت فترة الدراسة اختباراً لقدرتها على تلقّي العلوم بعيداً عمّا يجوب نفس الكاتب في تلك المرحلة الزمنية من العمر، والتي تتفجّر فيها العواطف والأحاسيس المختلطة التي لا يفهمها صاحبها بطبيعة الحال، عندما يشعر بطاقة هائلة تتملّك روحه وعقله وقلبه دونما قرار أو هدف، ودونما أدنى معرفة منه بحقيقتها، فتنعكس تارة على شكل انفعال شديد، وتارة أخرى كلمات مبعثرة يخربش بها على أوراق مبعثرة، لا يجيد ترتيبها ويكتب عليها ويمحو كثيراً، ولا تهدأ الثائرة التي تسيطر على كل مكامن الشخصية حتى ينتهي من فكرته، وفي تسلسل الانفعالات مرّة بعد أخرى يدرك المرء أن لا مناص له من الكتابة متنفسّاً لتلك الطاقة التي سيطرت على الشعور واللاشعور في شخصيته، وفي حديث خاص لصحيفتنا “روناهي” بيّنت الكاتبة نسرين خوجة أن الكتابة تأتي حاجة ملحّة للنفس البشرية في المرحلة الأولى من تكوين شخصية الإنسان، حين يمتلك طاقة كبيرة تفوق أقرانه، فإن اكتشفها بذاته أو كان هناك من حوله أشخاص لاحظوا الأعراض الأولى للكتابة بذاته، فقد أدرك بداية الطريق إلى القمّة، وإن كانت هذه الطريق محفوفة بالمخاطر والألم.
الانتقال من الهواية إلى الوجدانية المطلقة

تتطوّر الحالة الأدبية بالتجربة ونضوج المشاعر، وكذلك بالدراسة الأكاديمية للّغة العربية خلال سنيّ الدراسة المتعاقبة، ليبدأ الأديب أو الأديبة بالتفكير بشكل ما يكتب، فتتحوّل الكتابة في بعض الأحيان لصنعة مشروعة، وإن كان ذلك يناقض مبدأ المشاعر المحضة، ولكنه لا ينفصل عنها، وفي هذا الإطار أشارت الكاتبة نسرين خوجة إلى أنها استطاعت تحقيق ذاتها الأدبية بشكل واضح خلال سنوات دراستها الجامعية حينما أصبحت تنظّم كتاباتها وفق أشكال أدبية متنوعة، فكتبت قصيدة النثر ووجدت نفسها في القصة القصيرة والخاطرة، فتغوص في أعماق الأدب من خلال القراءة حين استهوتها الرواية والكثير من قصائد الشعراء من مختلف عصور الأدب العربي، وجدت الموسيقا عالية في وجدانيات الشعر الحر الذي لا يتقيّد بالوزن والقافية بعيداً عن الجدل الذي يثيره هذا الشكل الأدبي، لكنه جنس أدبي بارز في الساحة الأدبية في نهاية المطاف، وربما أن نسرين خوجة استطاعت الغوص بذاتها حين جرّدتها من تقاليد الزمان، وفرضيات الواقع المتعب حين تقول:
“هنا، في هذا الظلام الدامس والضوء الخافت، حيث البردُ العنيد،
أقف أمام مرآتي علّي أُزيل عن كاهلي تعب أيّامي،
لبرهةٍ، أرى ظلّي ينسحبُ منّي رويداً رويداً ويبتعد،
ثم أراه يحوم حولي، يقفز كطفلٍ يلهو بخلاصه،
أهوَ فرحٌ بخلاصه مني؟
أم أبقيتُه في قفصٍ محكم؟
كيف أُعلن له الحرية بعيداً عنّي،
وأنا المسجونةُ؟
كانت ملامحُ الفرحِ تحلُّ عليه،
أراهُ يُهلِلُ ويُتمتم، ومع ذلك يبقى صامتاً حين يُحدّق بي،
وكأن بيننا اتفاقاً قديماً على الصمت،
ظللتُ بجانب المرآة، بكامل دهشتي،
أتأمّل صمته وأتساءل:
هل يمكن لنفسٍ أن تُغلق على نفسها بكلتا يديها؟!
وهل يكون مفتاحُ خلاصِ كلِّ إنسانٍ بيديه اللّتين لطالما خنقتا نفسه؟
قرّرتُ الاقترابَ منه بخطواتٍ غيرِ موثوقةٍ ولا متّزنة،
بعقلٍ مشوّشٍ ومُخدّر
والدهشة لا تزال تضربُ على مسامعي وتجفّف حلقي،
مددتُ يدي شيئاً فشيئاً علّي أتلمّسه، علّي أُسكت دهشتي منه،
لكنّني تراجعتُ فجأة،
وأطلقتُ له العنان،
سمحتُ له بالتحليق في فضاء الغرفة، ثم فضاءِ الأرض،
مُعلنةً له بالفرار،
تشبّثتُ بطرف المرآة باضطراب،
وهمستُ أخيراً:
لا شيء حبيسَ الإنسان سوى نفسه”
يحمل النص طابعاً ذاتيّاً عميقاً يتجلّى بالتساؤلات وكثرة التناقضات التي تطرحها النفس العميقة في النفس، وشعور بالضياع يدركه تمسّك ملحٌّ بالحياة، لينتجا معاً قلقاً دائماً لا يفارقه الأمل، لا يخلو النص من التقريرية التي يتّسم بها النص القصصي لتكون الكاتبة بينهما في الوسط تماماً، وفي موضع آخر تقول نسرين خوجة:
“أحدّثُ الفراغ، تصفعني الذّكرياتْ، تصعقُني الأيّام، تكبّلُني الأحزان
الأيّام التي لا تهديك لي تخدشني، وتنفي راحتي
أحاول السير إليك، تغدو في سُبُل البعد
حاملةً للحنينِ في قلبي، زارعٌ للشوكِ أنتَ فيه
لأبقى أنا في أيّامي الخاوية، غيرِ السارية
لأُعانقَ الفراغ
علّهُ ينتشلُني من الضياع
فأنا دميمةٌ من أثرِ البكاء
فعذابُ هواكَ، تغلغل في شراييني، مزّقَ وجدي ونخرَ مُهجتي، فلا اللّيلُ وهدوؤه ولا النّهار وضجيجه يفلحان بألا تتسلّل لفكري دائماً

ثم أهمسُ لنفسي: “أتمنّى أن أقفز عن حزني العميق هذا وأتجاوز كل جراحي الّتي أيقظها صقيع غيابك”
تتّسق الألفاظ وتبتسم اللغة والبلاغة للكتّاب، ليكونوا أحراراً في فضاءات الكتابة، وليتطوّر النّصُّ في الشكل والمضمون، ويستطيع أن يصوّر جميع حالات الذّات الوجدانيّة في الشِّعر والقصّة والخاطرة وغيرها، وبذلك يكون الأدب الوجداني وجهة الكتّاب وخاصة في الجزيرة السورية لما يحمل في مضامينه من شجن يفضّله الأدباء والقرّاء على حد سواء.
ويُذكر أن الكاتبة نسرين خوجة حاصلة على إجازة في رياض الأطفال من كلّيّة التربية في جامعة الفرات.
No Result
View All Result