جوان عبدال
هناك إشكالية في تعريف الشعر، فأي شعر كان لا بد أن له ما يميزه، ولكل امرئ فيه رؤى ومشارب، ولكن الأقرب هو “انه كالموسيقا يطير ويطير أكان ذا رتم موزون وإيقاع أم لا”، أما أشكاله؛ وسنتفق أولا أن هناك أنواعاً عدة يسن عليه مسنه، وله اتجاهات عدة يعتمدها الشاعر في كتابته على حالات شعورية متنوعة يستفيد منها أسلوبا وأداة، من شعر سريالي، وشعر نثري حر وشعر التفعيلة وشعر الومضة والشعر القصصي إلخ. ولست بصدد ذكرها.
وفي التعريف الموجز والبسيط للشعر (رغم إن الشعر الحقيقي لا يعرف) هو حالة شعورية يسمو عن الواقع، إنما يلمح إليه بإصرار، يتجسد من شيء يكون هاجسا فيتحول في ذات الشاعر الحساس إلى بوح، فيجسد الحالات الشعورية والأحاسيس الجياشة إلى كلمات في صور وتشابيه ومجازات ذي دلالات عاطفية وجدانية، فهو يعتمد على البلاغة والإيجاز بما يعرف بالتكثيف ليعطي معنىً ماديا مرصعا حافظا للذاكرة البهية، ذات أخيلة ثرة من أشياء عادية بسيطة تحدث على الدوام من حالات نفسية من رؤى وآمال وآلام.. الخ، مرتبطا أولا وأخيرا بالحس والشعور، تحدث لكل الناس، وهي لمن يحسها، وكفى بالله وكيلا، وهناك من يحسها ويشعر بها ثم يقبض على ثوانيها ويلجمها من إسارها من سديميتها إلى أفق تأطيرها، ليقدمها على طبق مزين للآخرين الذين يدعون بأنهم يعرفون تلك الأحاسيس ومروا بها وعانوا منها ..إلخ.
وهكذا يكون عادة تناوله كتابيا متعدد الإشكال والأساليب، فمن الأساليب القديمة الكلاسيكية الموزونة أي ذو وزن وبحر وقافية، الخ.. إلى الشعر الحديث أو النثري الحر وهو يستغني عن الطرق السالفة من بحور وقوافٍ موحدة، إلا إنه يعتمد الحالات الشعورية والأحاسيس ذاتها، ولكن هنا يختلف الأسلوب والطرح، بقدر اتساع مداه ورؤياه. إلا أن كل تجربة مرهونة بحالتها.. لأن الأحاسيس والمشاعر تتشابه في الذات اليقظة لدى المرء، ولكن تختلف الزوايا المرصودة منها، وكيف يراها.
حقيقة.. يولد الشعر في مرحلة بهية وجميلة من “فوران” المشاعر وتعطش القلب، وله شفافية جذابة باختزاله للشعور في كلمات انسيابية يتواصل معها المرء، وهو يتناول جوانب عدة من الذاتية والظروف التي تمر حوله، ومدى تأثره بها طائرا على جناحي الخيال، يحرك المشاعر والأحاسيس لصيرورة جديدة، للارتقاء بها بالصورة الشعرية في القصيدة الإبداعية.
وقد يتسم بعدم تقيده بالقيود بكل أنواعها، بما يحمل من نضوج فكري وتعلق أكثر في مجاراة الأحاسيس الجياشة بمفردات وجمل سلسة واضحة في تلك الصومعة التي يصوغ المرء منها تلك المشاعر على سندان البوح، قصائد شعرية تحلق عاليا وتخلق عالما متخيلا جميلا مليئا بالرؤى والشفافية، تقارب بينها وبين الآخر المتلقي بكلمات دافئة حنونة بولوجها عالم الأنا الداخلي التي تسترق من اللاشعور بالظهور في سياق واحد وهو مراعاة خصوصية الأنا الحميمة.
إن الشعر كأحاسيس ومشاعر صادقة غير مدبلجة تهم الجميع ذاتا ووجدانا، الشعر الذي يعطي المرء لحظة تأمل وسمو فيسرح بالخيال والتخيل، بالمحاكاة والتمثل..
إن تنوع مسارات الشعر له اتجاهات عدة وتختلف من متلقٍ إلى آخر ولكنه يبقى فياضا وإلهاما وسموا من فيض المعاناة كانت أم من فيض العشق والسرور.
حقيقة؛ إلهام الشعر تعد تجربة تجلٍّ بامتياز… نعم ليس من جديد فيه وليس بمبتكر من عوالم غيبية بعيدة، ولكن هذه التجربة تجسد من الخاص ليعم العام، وهذا سر قدسيته، تدور وتدور حتى تصل هذه الأحاسيس بكل ما تحمل من آمال وآلام بإبداع وتنوع مبتكر إلى البحر الأعم، هذا المنجز الشفاف يكسر القيود الشكلية والأساليب المحنطة حين يعجز مركبه، تحمله لينطلق جموحا على صهوة حصانه إلى الآفاق بالأصالة من أشكال الحداثة الشعورية فنيا وجماليا.
تجربة الشاعر الجديد، والمبتكر تنبع من القلب والفؤاد. وهو يشبك بين هذه الأحاسيس بكل ما تحمل من آمال وآلام من انزياحاتهما بإبداع صور جميلة ومواقف مؤطرة استنباطا من الحالات الشعورية المنتابة من ذاته، وهو ينوع هذا المنجز بامتياز، وبالتالي فهو ليس معني في المبدأ إن يشتغل على ابتكار شاعرية منفردة، فحين يطلب أحدهم ذلك فهو يظلمه، وبذا يخرج عن إحقاق حقه. ويدعوه إلى كسر القيود الشكلية والأساليب القديمة الأصيلة وما دونه هباء.
وإن فعل في قصيدة أو قطعة شعرية يتهم بتخريب الذائقة، استسهالا للحداثة من أشكال السائد الشعوري فنيا وجماليا لينقلب إلى ابتذال متداول. وهو مضيعة وامتداد للفوضى.