جوان عبدال
يبدو أن فهمنا للنقد أصبح إيجاد الأخطاء فيما يتم تناوله، وتعداد الهنات والسقطات فيه، بهذه النظرة يتداول الأدب ويقيّم، حتى بين أقرب المقربين.. وعلى يد ألمع النقاد من اشتهروا بالنقد وأصوله، وهم خريجو الأكاديميات، وبات لهم باع طويل في هذا المجال.
أقلّ ما يتأمله الأدباء /المنتَقدون/ أن يكون النقد الموضوعي البعيد عن المزاجية والكيد والاستصغار، وإذ به يجابه بنقد محبط ومجهض، وتكسير كل شيء على رأس المسكين الذي اقترف جريمة الكتابة، ويرجعونه إلى أنه لا يعي ألف باء الكتابة ووصفه بصفّ كلمات المبتدئين.
إن أي عمل أدبي أو أي كان يسعى الكاتب من خلال مادته أولا؛ التقيد بالمقومات والعناصر الفنية المكملة لعرض فكرته، وثانيا؛ أن يستخدم لغته ويوظفها في البيان والبلاغة بوضوح لإيصالها نقية صافية فصيحة ما أمكن، لأني أعتقد مهما كانت اللغة غنية وذات اشتقاقات تبقى عاجزة عن الإحاطة بالمشاعر وخلجات النفس، ولا تكفي تعابير الوصف لشطحات الفكر، وثمة ألفاظ عامية أو شائعة تفي بالغرض فيتناولها كما هي، وثالثا؛ طرح المادة المتناولة أو الفكرة المطروحة من خلالها البندين أعلاه.. المقومات واللغة. ولا أستبعد (في الكتابة وحرص الكاتب على الإبداع أن يطور في أدواته تلك باسم الحداثة.. وإن كان ضربة مقلاع لأن كل عمل يركب مركبه في بحر مترامٍ، فمهما كان الأديب ألمعياً ماهرا متمكنا، وإلا ويأخذ الحصان بلجامه، مهما كانت مروضة يده، فإنها تحيد عن الصراط -قليلا كان أم كثيرا- وهنا.. في هذا العصر ابتلينا بالحداثة، فكل عيّ يجب عليها أن تسير صوب شوطها ولا ضير في هذا، وهو قصور بيّن عن شروطه -إني لا أذم حاشا- إنما التجريب والمحاولة والتنوع يعد فرعا مكملا للإبداع.. هو ابتكار وإيجاد شيء من شيء يتحدّث يتطور ويتلون.
إن الأدب حالة إبداعية بامتياز، تُظهر فيها الفنية والبلاغة والجمال بأسمى صورها ومعانيها، إنما ما يحجمها هو النقد الضيق الآفاق، رغم أن وظيفة النقد الاستزادة من الفنية والجمالية وتبيانهما، وإذا لزم الأمر إيجادهما بقدر ما يوجد في النص الأدبي، وهذا يكون دافعا للكاتب، وللقراء، وللأمة في سموها. ولكن لا نبي في قومه، وعشب الدار مر كما يقول المثل، ولا كرامة لأديب حي –إلا قلائل بالتأكيد- إلا ميتا.
هذه الخاصية التي ذكرتها آنفا نجدها عندنا فقط، نحن الشرقيين، ضيقة عين وقلة حضارة وتعامل بالفوقية والدونية، مجتمع مريض لم تعد تفيد فيه الأدوية أو الكي والعلاجات الفيزيائية والصدمات الكهربائية، غير أن يعدد الهنات والأغلاط في كل شيء بدءًا وانتهاءً، كأن تكون الحياة منمقة مشذبة، لا شاردة ولا واردة، وينسون أنها الحياة.. وأنه الإنسان..
رغم معرفة الأصول ورغم التشدق بالخير والصلاح، نرى العكس تماما، لذا الجميع يعاني منها ولا يتعظ، الجميع يرى أنها حالة غير سوية ولا ترقى إلى صفة الحضارة، ولا للثقافة والأصول التعاملية، رغم أنّا كنا نتهم بالجهل، وكان مهربا ومَخرجا آنيا فيما مضى، بأننا لم نتعلم، والآن الكل متعلمون ومشذبون، ويبدون مهذبين، والحق؛ فالعصبية تنخر عظامنا، والتكبر والغرور والحسد دون أن نعالج أو نتنازل، أو نعترف بما فينا.. ولم يتم بعد تجاوز العصبية وعداوة الآخر، ولم نرتقِ بعد إلى دنيا احترام الآخر، فما زلنا في الدرك الأسفل.
هذه الحقيقة؛ المرّة هل يعزوها الجهل لهذا الجنس المتداول، وعدم الإلمام بمقوماته وعناصره، أم هو تغابٍ وطعن في المكان الرخو، أهو قائم عن جهلٍ أم عن حسد؟
إن المشكلة في الأدب وما شاكله من نشاطات إبداعية، إنه مرتبط بالآخر، ولا يملك أية سلطة، أي؛ أنه يُقدم ويرجو من الآخر موقفا وقبولا، إن ما يقدمه لا أسنان له ولا أظافر، يُـقدم حملا وديعا وطفلا غرا، منْ كان سيتجرأ عليه لو كانت له أنياب حادة، ويد طولى تصل.. إذن؛ العيب منه وفيه.. المشكلة فيه ومنه.