الدرباسية/ نيرودا كرد – في زمنٍ تتعدد فيه الحروب وتكثر الحكايات عنها، تأتي رواية “سارقة الكتب” للكاتب الأسترالي ماركوس زوساك لتقدّم رؤية مختلفة للحرب العالمية الثانية، لا من منظور الجيوش أو الزعماء، بل من خلال عيون طفلة صغيرة تعيش الألم والفقد والبحث عن الأمل في عالمٍ ينهار.
نُشرت الرواية عام 2005، وحققت نجاحاً عالمياً واسعاً، تُرجمت إلى عشرات اللغات، وتحوّلت إلى فيلم سينمائي عام 2013. لكن سرّ تأثيرها لا يكمن فقط في قصتها، بل في الطريقة التي تُروى بها، إذ اختار الكاتب أن يجعل “الموت” نفسه هو الراوي، في أسلوبٍ رمزي يدمج بين السرد الأدبي والتأمل الفلسفي.
تبدأ الحكاية في ألمانيا النازية، حيث تفقد الطفلة ليزل ميمِنغر والديها في بداية الحرب، وتُرسل إلى عائلة بالتبني في بلدة صغيرة قرب ميونيخ. هناك تبدأ مرحلة جديدة من حياتها وسط الفقر والخوف والغارات الجوية، لكنها تكتشف شيئاً مختلفاً؛ حبها للكلمات والكتب.
في لحظة دفن أخيها الصغير، تلتقط ليزل كتاباً سقط من حقيبة أحد حفّاري القبور، ومن هنا تبدأ رحلتها مع القراءة والسرقة في آنٍ واحد. فكل كتاب تسرقه هو محاولة للتمسك بالحياة، ولإيجاد معنى في عالم فقد إنسانيته.
ماركوس زوساك لا يقدّم بطلة خارقة، بل طفلة تحاول النجاة بالكلمات. إنها تقاوم الحرب بطريقتها الخاصة، فبدلاً من السلاح، تمتلك كتاباً، وبدلاً من الغضب، تمتلك خيالاً واسعاً. ومن خلال هذه الطفلة الصغيرة، يفتح الكاتب نافذة على جانبٍ آخر من التاريخ؛ الجانب الإنساني الذي يضيع وسط الدمار والأرقام والإحصاءات.
“الموت” راوٍ إنساني أكثر من البشر
اختيار الموت راوياً للرواية كان خطوة جريئة ومميزة. فبدلاً من أن يكون رمزاً للرعب والنهاية، يظهر الموت هنا شاهداً يتعب من عمله، ويراقب البشر بدهشةٍ وشفقة. يقول في أحد المقاطع: “إنه لأمر عجيب، أن أرى البشر يعيشون وكأنهم لن يموتوا أبداً، بينما أمضي أنا أقطف أرواحهم واحداً تلو الآخر”. هذا الأسلوب جعل الرواية تحمل طابعاً فلسفياً عميقاً، إذ يتعامل الموت مع البشر برحمة، بينما يرتكبون هم أقسى الجرائم بحق بعضهم. وهكذا، يعكس الكاتب مفارقة الوجود الإنساني: إن القسوة ليست من نصيب الموت، بل من صنع الأحياء.
من خلال هذا الراوي الغريب، يتأمل القارئ معنى الحياة، والخوف، والذاكرة، في زمنٍ لم يبقَ فيه شيء سوى الألم والخراب. ومع ذلك، تبقى هناك فسحة صغيرة للأمل، تصنعها ليزل بقراءتها ومشاركتها القصص مع الآخرين في الملجأ أثناء القصف، لتجعل الحكاية وسيلة للبقاء.
الكتب وسيلة مقاومة
تحمل الرواية عنواناً واضح الدلالة: سارقة الكتب. لكن؛ السرقة هنا ليست جريمة، بل فعل مقاومة رمزي ضد الجهل والرقابة والخوف.
في زمنٍ كانت فيه السلطات النازية تحرق الكتب وتمنع الفكر الحر، تأتي ليزل لتسرق هذه الكتب وتحفظها من النسيان، وكأنها تنقذ الكلمات من الموت. القراءة لها ليست ترفاً، بل طوق نجاة من واقعٍ قاسٍ.
كل كتاب تقرأه ليزل يغيّرها، ويمنحها شكلاً جديداً من القوة. حتى الرجل اليهودي الذي تخبئه عائلتها في القبو، يجد في القراءة ملاذاً من الرعب، وتجد فيه ليزل صديقاً يشاركها حبّ الكلمة. وهكذا تتحول الكتب إلى جسرٍ بين البشر، رغم اختلافهم وخوفهم.
ماركوس زوساك يذكّرنا بأن الكلمة يمكن أن تقتل، ويمكن أن تُنقذ. فهي السلاح الذي استخدمته الأنظمة الديكتاتورية لنشر الكراهية، وهي نفسها التي تستخدمها ليزل لنشر الأمل. ومن هنا، تبرز الرسالة الكبرى للرواية: أن اللغة ليست وسيلة للتعبير، بل قوة قادرة على تغيير المصير.
بين الأدب والتاريخ
رغم أن الرواية تقع أحداثها في زمنٍ محدد تاريخياً، فإنها لا تُقدَّم كعملٍ توثيقي عن الحرب، بل كعملٍ أدبي إنساني عالمي. فالحرب ليست خلفية للأحداث، بل مرآة تُظهر جوهر الإنسان: كيف يمكنه أن يكون قاسياً إلى حد الوحشية، وكيف يمكنه أن يظلّ طيباً رغم كل شيء.
يُظهر الكاتب ببراعة كيف تؤثر الحروب على الأطفال، وكيف تُدمّر براءتهم، لكنه في الوقت نفسه يمنح القارئ مساحة من الضوء، عبر شخصية ليزل التي تواصل الحلم رغم الخسارات المتكررة.
ويتميز أسلوب زوساك بلغته الشعرية البسيطة، وبتنقله بين السخرية والحزن، ليخلق توازناً بين الواقع القاسي والخيال الجميل. فهو لا يكتفي بوصف الدمار، بل يجعلنا نراه بعين الموت نفسه، الذي يروي الحكاية بلا كراهية ولا عاطفة مفرطة، بل بشيء من الهدوء الذي يشبه الاستسلام.
رسالة الرواية إلى العالم
في النهاية، لا تقدّم سارقة الكتب دروساً جاهزة، بل تجعل القارئ يعيد التفكير في معنى الحياة، في قيمة الكلمة، وفي دور الإنسان عندما يواجه الظلم والخوف. هي رواية عن فقدان الأهل، لكنها أيضاً عن اكتساب القوة من الضعف. عن الخوف من الموت، لكن أيضاً عن مصادقة هذا الموت والتحدّث إليه. عن الحرب، لكن بعيون فتاة تبحث عن الأمل في المكتبات المهدّمة.
حين نغلق صفحات الرواية، يبقى صدى كلماتها في الذهن:
إن القراءة ليست هروباً من الواقع، بل مقاومة. وإن الذين يتمسكون بالكتب في زمن الحروب، هم أولئك الذين يدافعون عن معنى الإنسان في هذا العالم.
خلاصة
تُعد رواية “سارقة الكتب” عملاً أدبياً وإنسانياً استثنائياً، لأنها جمعت بين الخيال والواقع، بين الفلسفة والعاطفة، وبين الألم والأمل.
ماركوس زوساك قدّم من خلالها تجربة سردية فريدة جعلت الأدب سلاحاً في وجه الموت، وذكّرت القرّاء بأن القصص ليست ترفاً، بل حاجة بشرية للبقاء.
إنها رواية تقول ببساطة:
“حتى في أحلك الأزمنة، يمكن للكلمات أن تنقذ حياة”.
الكاتب في سطور
ماركوس زوساك كاتب أسترالي من أصول ألمانية ونمساوية، وُلد عام 1975 في مدينة سيدني. اشتهر بأسلوبه المبتكر الذي يمزج بين السرد الأدبي العميق والخيال الإنساني البسيط. قبل “سارقة الكتب” كتب عدداً من الروايات الموجهة لليافعين، مثل “الرسول” و*”قتلة من دون سبب”. لكن رواية “سارقة الكتب” كانت الانطلاقة الكبرى لمسيرته الأدبية، إذ جعلته واحداً من أبرز الكتّاب المعاصرين في الأدب العالمي.
تميز زوساك بقدرته على تحويل المآسي الإنسانية إلى قصص مليئة بالحياة والأمل، وبأسلوبه الذي يخاطب القارئ بلغة قريبة من القلب، تجمع بين الحزن والجمال في آنٍ واحد.