رامان آزاد
من الذاكرة الوطنيّة نذكرُ حواراً تلفزيونيّاً حول عطسةِ سيادته:
يبدأ المذيعُ البرنامجَ بمقدمةٍ حماسيّةٍ جداً تزخرُ بشعاراتِ الوطنيّة الوحدة والديمقراطيةِ والحريّةِ والصمودِ والمقاومة وإسقاطِ المؤامرةِ والاعتماد على الذات، ومصطلح الرقم الصعب في ظلِّ القائد الملهم وقيادته الحكيمة والشجاعة… ثم يقدّمُ ضيفَ الحلقةِ على أنّه أكاديميّ حاصلٌ على الدكتوراه!
المذيع: دكتور، تابعتَ الأخبارَ وخاصة الحدث الأخير، كيف لكم أن تقيّموا العطسةَ الحكيمةَ لسيادته؟
الدكتور: أستاذ، لا أخفيك أنّ جملةً من المسائلِ خطرت لي في تقييمِ عطسة سيادته المباركةِ، وقلتُ لعلَّ تقييمنا يكتنفه شيء من اللغوِ باعتبارنا أبناء هذا الوطنِ، فخطر لي أن أتابعَ أصداءها في الإعلامِ العالميّ، الذي يتجاهلُ قضايانا الحسّاسة، والواقع أنّي صُدمت بأنّها توقفت طويلاً لدى الحدثِ ووصفته بالتاريخيّ، وأنّ ما بعده لن يكون كما قبله… بل أكثر من ذلك كان الوقوفُ طويلاً في تقييمِ خطواتِ سيادته قبل اعتلاءِ المنصةِ….
المذيعُ مقاطعاً: عفواً، اسمح لي بمقاطعتك، لأنَّ خطواتِ سيادته ستكونُ موضوعَ حلقةٍ مستقلةٍ تتزامن مع عقدِ مؤتمرٍ وطنيّ، وسيحضره سياسيون كبار، وسيُدعى أهم خبراء العالم والمختصون في لغةِ الجسدِ، فقد وجدنا أنّه لا يمكنُ أن نعطيَ المسألةَ حقها بعجالةٍ ونغطي تفاصيلها في حلقةٍ واحدةٍ.
لكن سؤالي لك دكتور، حول التقييمِ الوطنيّ لعطسةِ سيادته المباركةِ في هذا التوقيتِ الحسّاسِ من تاريخ أمتنا.
الدكتور: أنت وكل السادة المشاهدين تعلمون أنَّ تشميتَ العاطسِ من آدابِ ديننا وقيمنا الأخلاقيّة وثوابتنا الوطنيّة، ولعلي لا أبالغُ إذ قلت إنّ شعبنا العظيمَ في تشميته عطسةَ سيادته جددَ عهدَ الولاءِ لسيادته والتفافه حوله، والسير قدماً خلف قيادته الحكيمة، لقد تجاوز بوطنيته كلَّ الحدودِ وجعل من تشميتِ سيادته لوحةً رائعةً عنوانها “الوحدة الوطنيّة”، وقد خرجت الجموع الجماهيريّة هادرةً في الشوارع وتهتفُ بصوتٍ واحدٍ ردد العالمُ صداه…
صديقي هذه المظاهراتِ الوطنيّة والاحتفالات العفويّة لا تحدثُ في أيّ دولةٍ في العالمِ، ولا حتى في أكثرها ديمقراطيّة، والتي تتبجح بالحريةِ، ويمكنني القول بثقةٍ: إنّ ردّ الفعلِ الجماهيريّ الموحّد كان رسالةً بغايةِ الوضوحِ إلى الأطرافِ الخارجية التي تسعى لإيقادِ الفتنةِ بين مكوناتِ شعبنا بذرائع الحريّةِ وحقوق الإنسانِ، بل نحن في هذا البلد العظيم نقدّمُ للعالمِ النموذجَ المثاليّ للحريةِ والديمقراطيّة، ولسنا بحاجةٍ لنماذجَ مستوردةٍ لا تتوافقُ مع ثقافةِ شعبنا وطموحاته..
لقد جاءت عطسةُ سيادته في لحظةٍ مفصليّةٍ من تاريخنا، ليضعَ النقاط على الحروف، وكان شعبنا يتوقُ إليها بشدةٍ، ومن المؤكدِ أنّ سيادته أدركَ ذلك إذ قال في خطاباته: “أنا بينكم كأحدكم”، واليومَ أثبت ذلك بالدليلِ القطعيّ، ووفى بوعده وعطس…
المذيع: دكتور أعتذر منك مجدداً، فالزملاءُ يخبرونني أنّ لدينا نقلاً مباشراً، وهناك اتصالٌ مع مراسلنا في إحدى مدنِ وطننا الحبيبِ لرصدِ احتفالِ المواطنين العفويّ بعطسةِ سيادته…
يتبدلُ المشهدُ وتُظهِرُ الشاشة حشداً من الناسِ ملءَ ساحةٍ كبيرةٍ، يرفعون الأعلامَ ويهتفون بالفداءِ والأبديّةِ.
كان هذا نموذجَ حلقةِ حوارٍ من الذاكرةِ الوطنيّةِ، وسبقها الكثيرُ من أمثالها، وعلى مدى سنواتٍ طويلةٍ عُرض مثلها الكثير… حتى كان صبيحةُ يومٍ التقى فيه مواطنان قال أحدهما للآخر: طار سيادته… سأل الآخر: شو… طار يعني طار؟!! ردَّ الأول: إي طار… وما عطس!
نعم طار وما عطس… فقد عطس كفايةً خلال سنوات حكمه!
لم تمضِ فترة طويلة حتى عادتِ الجماهيرُ تحتشد مجدداً وتهلل وتهتف محتفلةً… بقيتِ العطسةُ واختلف العاطسُ!.