No Result
View All Result
د. فاطمة مصطفى عبد الرحمن
مع دخول فصل الخريف، تبدأ في سوريا مرحلة التحضير للموسم الزراعي الشتوي، حيث يعتمد المزارعون على أولى زخات المطر لتجهيز أراضيهم وزراعة محاصيلهم الاستراتيجية مثل القمح والشعير والبقوليات.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات مناخية حادة وتراجعاً كبيراً في معدلات الأمطار، ما جعل إدارة المياه والري أمام تحدٍّ وطني حقيقي، لا سيما في المناطق الشمالية الشرقية مثل مدينة الحسكة، التي تعاني من جفاف واضح في مصادرها المائية وتدهور في إنتاجها الزراعي.
الواقع العام في سوريا…
شهدت سوريا خلال الأعوام الماضية تراجعاً حاداً في الهطل المطري وصل في بعض المواسم إلى أكثر من نصف المعدل الطبيعي. هذا النقص أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وتراجع المساحات المروية. كما تأثرت البُنى التحتية المائية بشكل كبير نتيجة الإهمال والأضرار، إذ تعرضت قنوات الري والسدود للتخريب أو التسرب، ما زاد من فاقد المياه وأضعف كفاءة الري.
إضافةً إلى ذلك، يعاني المزارعون من ارتفاع تكاليف تشغيل المضخات بسبب نقص الوقود وغلاء الأسعار، مما جعل عملية الري عبئاً اقتصادياً ثقيلاً. ويزيد من خطورة الوضع التأثير المتنامي للتغير المناخي، حيث أصبحت الأمطار أكثر تقطعاً وتأخراً، وارتفعت درجات الحرارة بشكل ملحوظ، ما يؤدي إلى تبخر سريع للمياه ونقص في رطوبة التربة.
الحلول العامة لإدارة المياه
لمواجهة هذه التحديات، ينبغي تطبيق مجموعة من الإجراءات المتكاملة، من أهمها:
1-تخزين مياه الأمطار بإنشاء خزانات وسدود صغيرة وأحواض لجمع مياه السيول لاستخدامها لاحقاً في الري التكميلي.
2-اعتماد تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط أو الرشّ لتقليل الفاقد المائي مقارنة بالري بالغمر التقليدي.
3-تحسين خصوبة التربة باستخدام الأسمدة العضوية والتغطية النباتية لحفظ الرطوبة وتقليل التبخر.
4-الري التكميلي المدروس بحيث يُعتمد على مياه الأمطار أولاً، وتُستخدم المياه الجوفية فقط عند الضرورة.
5-التخطيط الزراعي الذكي الذي يربط بين كميات الأمطار المتوقعة وأنواع المحاصيل المزروعة.
6-دعم المزارعين بالتدريب والمساعدات الفنية والمالية لتطبيق أساليب الزراعة المستدامة.
الواقع المائي في مدينة الحسكة
تُعد الحسكة من أكثر المناطق السورية تضرراً من الجفاف خلال السنوات الأخيرة. فالأمطار هناك لم تتجاوز في كثير من المناطق 30 إلى 40 في المئة من المعدل السنوي المعتاد، ما أدى إلى انخفاض إنتاج القمح والقطن والبقوليات، وهي المحاصيل الرئيسية في المنطقة.
كما تراجعت مستويات المياه الجوفية بشكل ملحوظ بسبب الضخ المفرط وتراجع التغذية الطبيعية، بينما جفّ نهر الخابور شريان الحياة الزراعية في المدينة، وتعرّضت مياهه للتلوث في بعض المقاطع، مما جعلها غير صالحة للري أو الشرب في كثير من الحالات.
وتفاقمت الأزمة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وصعوبة تشغيل مضخات الري، إلى جانب ضعف الصيانة لشبكات الري القديمة، الأمر الذي أدى إلى ترك العديد من الأراضي دون زراعة أو الاكتفاء بالمحاصيل البعلية محدودة الإنتاج.
إدارة المياه في الحسكة خلال الموسم المطري
تبدأ إدارة المياه في الحسكة قبل وصول الأمطار، من خلال التحضير المسبق للمصادر المتاحة. في هذه المرحلة ينبغي على المزارعين والجهات المحلية القيام بمسح دقيق للآبار لتحديد صلاحيتها ومنسوبها، وصيانة القنوات وخطوط الري لمنع التسرب، إضافةً إلى تجهيز أحواض وخزانات لتجميع مياه الأمطار والسيول. كما يجب اختيار المحاصيل المناسبة للظروف المائية الحالية، والتركيز على الأصناف المقاومة للجفاف مثل القمح والشعير والعدس، والابتعاد عن المحاصيل الشرهة للمياه كالقُطن.
عند بدء هطول الأمطار، تُستثمر المياه الهاطلة في إعادة شحن المياه الجوفية بالسماح بتسربها إلى باطن الأرض من خلال الخزانات الترابية والمناطق المنخفضة. ويمكن أيضاً استغلال السيول في تغذية الأحواض التخزينية بدلاً من فقدانها في الجريان السطحي.
وفي أثناء الموسم، يجب ضبط الري التكميلي بدقة بحيث يتم فقط عند الحاجة الفعلية، مع مراقبة رطوبة التربة لتفادي الإفراط في استخدام المياه أو الوقود، ويمكن الاستعانة بأجهزة قياس بسيطة أو بالخبرة المحلية في تقدير حاجة النبات للماء.
بعد انتهاء موسم الأمطار، من الضروري إجراء تقييم شامل للموسم الزراعي، يشمل كمية المياه المستخدمة وكفاءة أنظمة الري ومستوى الإنتاج المحقق. كما يتم في هذه المرحلة صيانة الآبار والخزانات استعداداً للمواسم القادمة، إلى جانب جمع البيانات المناخية والمائية لمتابعة الاتجاهات العامة وتحسين التخطيط الزراعي مستقبلاً.
توصيات خاصة بمدينة الحسكة
على مستوى الإدارة المحلية: ينبغي دعم مشاريع الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات الري بدل الاعتماد على المازوت، وتشجيع إقامة سدود ترابية صغيرة وخزانات لتجميع مياه الأمطار في القرى والوديان. كما يجب وضع قيود على حفر الآبار العشوائية وتنظيم استثمار المياه الجوفية لضمان استدامتها. إضافة إلى ذلك، يُنصح بتقديم دعم فني للمزارعين لتحديث أنظمة الري وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتسهيل حصولهم على المعدات والمضخات الحديثة.
على مستوى المزارعين: ينبغي تقليل المساحات المزروعة بالمحاصيل ذات الاستهلاك العالي للماء، والاعتماد على الري التكميلي فقط عند الضرورة القصوى، مع استغلال كل قطرة من مياه المطر. كما يُستحسن استخدام التغطية النباتية أو بقايا المحاصيل لتقليل التبخر والحفاظ على رطوبة التربة، والمشاركة في مشاريع جماعية لحصاد مياه الأمطار وتخزينها للاستفادة منها في مواسم الجفاف.
إن إدارة المياه والري في بداية الموسم المطري ليست مجرد خطوة تقنية، بل هي عنصر أساسي في بقاء الزراعة السورية واستدامتها. وفي مدينة الحسكة، حيث يشتد الجفاف وتزداد التحديات، تصبح هذه الإدارة واجباً استراتيجياً لضمان استمرار الحياة الزراعية ودعم الأمن الغذائي الوطني.
الجمع بين التقنيات الحديثة مثل الريّ الموفر للمياه والطاقة، والممارسات التقليدية مثل حصاد الأمطار والزراعة الحافظة، هو الطريق الأمثل لتحقيق توازن بين احتياجات الإنسان والطبيعة، وضمان مستقبلٍ أكثر أماناً للمزارعين والأرض في آن واحد.
No Result
View All Result