تُعدّ المكتبة العامة في رانيا، التي أُسِّست عام 1977، واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية في المنطقة. ومنذ عام 2006، أصبحت تُدار بصفتها الإدارة العامة لمكتبات قضاء رابرين، مما عزز من دورها في خدمة القرّاء والمثقفين.
وعلى الرغم من أن تطور التكنولوجيا أدى إلى تراجع دور المكتبات نسبيًا، إلا أن هذه المكتبة حرصت على مواكبة العصر وتجديد نفسها باستمرار، ويشكّل مشروع رقمنة محتوياتها وتزويدها بكتب جديدة بارقة أمل في دعم الواقع الثقافي في المنطقة.
دور المكتبة في الماضي وأثر التكنولوجيا في الحاضر
نَجاد حسن، موظف قسم الاستعارة في المكتبة العامة في رانيا، لوكالة “روج نيوز” يتحدث عن دور المكتبة في مساعدة القراء والمثقفين بتوفير المصادر التي يحتاجون إليها لمشاريعهم، سواء كانت كتابات إبداعية أو بحوثًا علمية أو دراسات، كما يشير إلى تنظيم الندوات والمحاضرات والتعريف بالكتب داخل القاعة المخصصة في المكتبة.
يقول حسن: “في الحقيقة، كان دور المكتبة أكثر نشاطًا في السابق، لكنه تراجع في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى تطور التكنولوجيا واعتماد الكتّاب والقرّاء على الإنترنت والكتب الإلكترونية. ورغم التأثير الكبير لهذا التحوّل على عادة القراءة التقليدية، إلا أن هناك شريحة من القراء لا تزال تحتفظ بشغفها تجاه الكتب الورقية، وما زالت تجد في المكتبة مصدرًا حيويًا للفائدة والمعرفة”.
كما يتحدث عن أجيال من القراء والكتّاب والطلبة الذين تخرجوا أو توافدوا إلى هذه المكتبة وظلوا زوارًا دائمين لها واستفادوا منها بشكل كبير.
مشروع الرقمنة وتوسيع المكتبة
يشير نجاد حسن إلى مشروع جديد قيد التنفيذ يهدف إلى تحويل المكتبة إلى مكتبة إلكترونية، المشروع يحتاج إلى ميزانية وجهود كبيرة، وهو يتضمن إنشاء موقع إلكتروني يتيح إتاحة الكتب بصيغة أو تسهيل البحث عن المصادر النادرة، كما يتضمن مشروعًا آخر يتمثل في توسيع المكتبة وتزويدها بكتب جديدة ومطبوعات معاصرة، إلى جانب دعوة الكتّاب لتزويد المكتبة بنسخ من كتبهم.
تاريخ وتطور المكتبة العامة لرابرين
دانا خدر، مدير عام إدارة مكتبات رابرين، يوضح أن المكتبة العامة في رانيا أُنشئت عام 1977، ومنذ عام 2006 أصبحت مقر إدارة المكتبات العامة في رابرين، والتي تضم الآن 11 مكتبة.
وهو يتفق مع نجاد حسن بأن المكتبة في الماضي، كانت تستقطب عددًا أكبر من القراء، لكن مع تطور التكنولوجيا وظهور وسائل التواصل الاجتماعي ودخول الإنترنت إلى إقليم كردستان في السنوات الأخيرة، تراجع الإقبال على القراءة، وأصبحت القراءة تُمارَس في الغالب لأغراض محددة، مثل إعداد التقارير أو إنجاز البحوث العلمية، بينما قلّ عدد من يقرؤون بدافع المتعة الشخصية أو الاهتمام الثقافي.
وبخصوص الكتب، يقول دانا خدر “لدينا حوالي 19,500 عنوان مسجل في المكتبة، لكن مع احتساب النسخ المتكررة لبعض الكتب، يصل العدد الإجمالي للمجلدات إلى نحو 26,000 كتاب في المكتبة العامة في رانيا”.
ويضيف “في السابق كانت وزارة الثقافة تزود المكتبة بالكتب، لكن بسبب الأزمة المالية والإجراءات الإدارية، أصبحنا اليوم نتسلم معظم الكتب عبر التبرعات من مؤسسات وأفراد، أما نظام فهرسة الكتب في المكتبة العامة برانية فهو يعتمد على البطاقات الورقية، بينما معظم المكتبات الأخرى في المناطق المجاورة تعتمد على قوائم مسجلة”.
غياب ثقافة المكتبة في المجتمع وأثر وسائل التواصل الافتراضي
جبّار عزيز، شاعر وكاتب، يتحدث قائلاً “بشكل عام، لم تكن هناك ثقافة مكتبة منزلية في المجتمع الكردي، ولذلك لعبت المكتبات العامة دورًا كبيرًا في توفير الكتب للناس، خصوصًا عندما كانت مداخيل الأفراد محدودة، لكن منذ سنوات، بسبب وسائل التواصل الافتراضي، ترك كثيرون عادة القراءة”.
ويرى أن “الإقبال على المكتبات العامة أصبح أقلّ”، مشيرًا إلى نقطة أخرى مهمة، وهي غياب التشجيع التربوي، ويقول “في المدارس ورياض الأطفال لا يوجد تحفيز للطلبة على زيارة المكتبات، وكان من الممكن للمعلمين أن يشجعوا الأطفال على زيارة المكتبة والتعرف على الكتب، بشكل عام أصبحت المكتبات اليوم أكثر هدوءً وأقلّ ازدحامًا مما كانت عليه في السابق، إذ تراجع عدد زوّارها بشكل ملحوظ مقارنة بالأعوام الماضية”.
القراءة غذاء الروح
جمال حسن، محامٍ وخريج كلية الحقوق، يشارك تجربته مع القراءة قائلاً إنه بدأ منذ سبعينات القرن الماضي، وقرأ الكثير عن تاريخ وثقافة الكرد، ويوجه رسالة مهمة للشباب قائلاً “القراءة غذاء الروح، فالعقل بلا قراءة لا يعمل جيدًا، أنصح الشباب بألا يتركوا القراءة والرياضة، لأن هذه أساسيات الحياة، أبلغ من العمر 67 عامًا وما زلت أقرأ وأمارس الرياضة”.
ويؤكد: “على الشباب ألّا يفقدوا الأمل، فاليأس يدفع الإنسان إلى الانعزال، ويجعله يتوقف عن القراءة، ويهمل الرياضة، ويبتعد عن الحياة. إن الأمل يُبنى على أساس ثقافي ومعرفي، وإذا واصل الشباب القراءة، فإن هذا الأمل سينمو ويتجذّر في حياتهم”.