جوان عبدال
الأدب صورة المجتمع الحقيقية، ومرآته الصقيلة، أي إنه الحياة مصغرة، وحين يتم تناول أنموذج منه يجب أن نبين كل خصائصه، بتلك العلاقات الترابطية ومدى الصراعات لديه، وأقصد الإشارة إلى الشخصية الرئيسية في العمل الأدبي، لأن كل الأحداث متعلقة بها، وحتى نستوفي حقها علينا أن نقدمها ونظهرها ضمن إطارها الحياتي، وبنية خلفيتها، أي أن نقدمها بمعلومات عن عمرها واسمها وصفاتها، وميولها وسلوكها، وخلفيتها الاجتماعية.
ولأن القصة تعتمد في بنيتها على أسس: 1-الشخصية 2-الحدث 3-الزمان والمكان 4-الحبكة -كما هي مقوماتها، فإن اختلت بعض العناصر أعلاه تتأثر القصة بمجملها بعض الشيء، ولكن أقول، إن غياب بعض العناصر لا يعني فقدان روح القص والحكي، ومنها الشخصية على حِدة، الحدث والزمان والمكان والحبكة الخ.
أما التكثيف والقفز على المقومات فيغمض الحكاية، وتبقى مفتوحة الإهاب على المعطيات، فتكون خارج نطاقها أو تخطئ هدفها المرجو، كما يريد الكاتب ويتمنى، فهنا يؤول الأمر بأنها مفتوحة وذهنية كخاطرة متهالكة /إن صح التعبير/ وهذا يجافي الصواب.
أقول كلامي هذا مما أشاهد من إبهام بحق أبطال القصص، كأنهم طبخوا على عجل، أو أنها شخصيات مبتورة أو كأنها لا تحتاج إلى معلومات مسهبة لأنها معروفة، ولا داعٍ للمزيد.
يقول الكاتب الأمريكي” ولسن ثورنلي” في تعريف القصة ودور الشخصية فيها: “هي سلسلة من المشاهد الموصوفة التي تنشأ خلالها حالة مسببة، تتطلب شخصية حاسمة ذات صفة مسيطرة”.
فالقصة حدث خصب الدلالة، محدد الشخصية، وهذه الشخصية معرفة وليست نكرة حتى يتم تجاهل مواصفاتها، فمن الأفضل أن تعرّف جيدا لأنها حامل النص القصصي، وأن تعرّف نفسها وآمالها وآلامها يريح السرد والقارئ معا.
فالشخصية هي التمثيل الموضوعي للإنسان في كل مراحله، فإبهامها يؤدي عدم معرفة ردة فعلها وتصرفاتها، ويشعر القارئ بالغموض والتماهي بعيدا عن التطورات اللاحقة لها، أو القابلة الحدوث.. أما ما يريحه فحين يتنبأ بالمصير المعادل للواقع.. كأن يكون مشاركا بالنص ومفسرا له..
إن عدم إيفاء الشخصية حقها من المعالجة تترك القصة دون هوية، أو دون ملامح كأنها عائمة في الفراغ أو كأنها اللعب على الخاطرة.. فقد يعرف الكاتب الشخصية التي يتناولها جيدا، أو له معرفة خاصة ما بها، يعرف شيئا ولا يعرف أخرى، فعلى الكاتب أن يقرب ذلك للقارئ حتى يتآلف معها، فتكفل ملامح الشخصية بتعريف نفسها.
نعم نُقر أن الشخصية الأدبية على الورق غير حقيقية، ولكن لها سطوة حقيقية من جراء التشابه أو التماثل مع الواقع، وتماثلها يأتي بما يشبهها من حيث الواقع والطباع في مستوى العلاقات الإنسانية- ويأتي من حرفية الكاتب ومدى توفيقه وصدقه لإيهام القارئ بوهم أو كذب معقول.
ولمعرفة حدود الشخصية المرتبطة في حدوث صراعات داخلية وأخرى خارجية حين تبين قيم الجمال والفضيلة والحق.. وهي تحاول أن تحل نوعا من المشكلة من خلال الأحداث التي ترى إنها الأفضل.
ولإغناء العمل الأدبي، ولإغناء الشخصية ينبغي عدم ترك فراغات فيها، حتى تتم مقولة، إن الأدب صورة عن الحياة، أو هي وهم وكذب صادق. لذا وجب الكشف عن دوافعها وسماتها وعمرها، وأصولها الفكرية والنفسية، أي سلوكياتها الظاهرة.. لأن الشخصية متمثلة بالحدث كله وهو الفاعل الأول فيه، وكما يقول د رشاد رشدي: “الحدث هو الشخصية”.. أي تصوير الشخصية وهي تعمل عملا له معنى.
بكلمة.. لنحدد معالمها وشكلها حتى نتعرف على بطاقتها الشخصية كرؤوس أقلام، وليست مفصلة، إنما المفيد عن اسمها ورسمها وعمرها وطباعها في صيرورة الحدث.. إلخ.. وما أعنيه من إعطاء الشخصية بعض المعلومات حتى تتضح ملامحها كشخصية حقيقية الملامح.. بحيث تبقى مع القارئ.. إن تعريفها يتم عادة على الورق بذكر صفاتها وملامحها، فتبقى في الذاكرة كلما كان متقنا، وكان ذلك أوفى وأدى الفعل المترادف كما في الحياة الواقعية.. نعم هذا القول لا يحصر الأمر في زاوية ضيقة، لأن بعض النصوص القصصية لا تحتاج إلى وفرة المعلومات إنما هناك الكثير منها يلزمها ما قيل أعلاه.
حقيقة القارئ على حق مهما كان حين نرى منه تأففا وصداً، فإذا لم نستطع جلبه إلى صفنا، لأننا لم نقدم له ما يتواصل معه، حين يتوه ويغرق في أمواج الكتابة المبهمة فيتلاطم مركبه ولا يرسي له على بر فيقول: هذا صف كلمات.. فكلمة لا تطابق فعلا، ولسان حالنا يقول: هذا تجريب وهذا ما لا أعرف ؟! وأنا أتجه للنخبة، إذاً أين التواصل مع الجماهير، ونحن أناس لا نقرأ إلا السهل والمفهوم والمهضوم.
من كل كلامي أعلاه لا أدعو إلى معرفة كل شيء عن الشخصية، إنما تلميحا وإشارة، كمفاتيح تعطى للقارئ إمكانية لولوج أبواب النص، تكفي لوضع القارئ في الصورة.. فعلى الكاتب أن يفصح عن المزيد بدلا أن يتركه في ذهنه.. كذلك لا أدعو إلى فصفصته.. ولكن اللطف فيه.