No Result
View All Result
منان خلباش
بعد فترة الاستقلال في سوريا ورحيل الفرنسيين سادت أفكار قومية شوفينية غريبة في سوريا وبعض الأقطار العربية التي نالت استقلالها، من خلال بعض التيارات القومية الشوفينية كالتجربة الناصرية والبعثية التي أظهرت مرحلة ما بعد الاستقلال بطابعها ظناً إن ما تم طرحه من شعارات قومية وتغليب الجوانب الشوفينية منها سوف يحقق الانتصارات واحدة تلو الأخرى، حيث كانت أهم تلك الشعارات هي” الوحدة ” التي مزقت البلاد والعباد إلى أقطار وأطراف وأجزاء وجماعات وسواها لا تنتهي.
لقد سقطت الأنظمة المختلفة التي تعاقبت على السلطة وخاصةً في سوريا في السياسة الداخلية ومقاربة المشاكل والقضايا البنيوية، حيث كان الحل الأمني وممارسة القمع والاستبداد الأداة الوحيدة والأهم في معالجة القضايا الداخلية التي ستكون أساساً “منطقياً” لحل جملة من القضايا والمشاكل التي يعاني منها المجتمع السوري.
وأهم القضايا التي جابهت الأنظمة السوريّة منذ الاستقلال على الصعيد الداخلي، هو التعامل مع القضايا القومية والشعوب السوريّة الأخرى، حيث كانت سياسة الإنكار ومحاربة كل حديث عن تواجد قوميات ومكونات وثقافات مختلفة في النسيج المجتمعي السوري تشكل السبيل الأوحد للتعامل معها.
وباعتبار إن الشعب السوري مثل أي شعب آخر يتكون من قوميات وإثنيات وثقافات مختلفة ويشكل الكرد القومية الثانية في البلاد بعد القومية العربية، عدداً وانتشاراً “في الجغرافية السوريّة”؛ ظلت الأنظمة السوريّة المتعاقبة على السلطة في ممارسة سياسات الإنكار والتهميش على الشعب الكردي وتبنت سياسات تحمل في طياتها كل أشكال الكراهية والحقد وحرمانهم من لعب أدوارهم الطبيعية في بناء سوريا وبل اعتبارهم على الدوام عناصر غريبة وربطهم على الدوام، بمشاريع عدوانية ووصفهم بالانفصاليين واتهامهم بإنشاء كيانات وهمية وهو ما كان سبباً أساسياً للتجاهل وعدم ذكرهم حتى في الصحافة والإعلام وفي المداولات الرسمية في مجالس الشعب والوزارات وسواها.
وأيضاً ممارسة كل أساليب القمع والعنف وتجريمهم في كل تصرف يعبّر عن هويتهم القومية أو مطالبتهم بالعدالة والمساواة وحقوقهم المشروعة. ومنذ بداية الستينات من القرن المنصرم، وعند تولي ناظم القدسي الرئاسة السوريّة بعد الانفصال عن مصر ومرحلة “الجمهورية العربية المتحدة” ارتفعت موجة الشوفينية والأفكار الإقصائية في المجتمع السوري، والتي كانت تطال الكرد وسواهم من المكونات القومية وإن بحدة أقل ودرجات ضئيلة، وكان أهم مشروع شوفيني ظهر للتداول في مجال استهداف التواجد الكردي في سوريا هو مشروع “الحزام العربي” و”الإحصاء الاستثنائي” الذي جرى في المناطق الشمالية من سوريا وخاصةً في “محافظة الحسكة” آنذاك. وبعد دراسة أمنية قام بها الضابط السوري محمد طالب هلال الذي اقترح إقامة الحزام العربي في المناطق الشمالية من سوريا وإفراغ المنطقة المذكورة من سكانها وتوطين بدلاً عنهم بواسطة مواطنين من القومية العربية، وذلك كحل، لما قد يشكله الكرد من تهديدٍ أمني يهدد البلاد وما شابه ذلك، حسب نظرتهم ومعتقدهم الشوفيني.
وفي الخامس من تشرين الأول ١٩٦٢، تم إجراء إحصاء استثنائي بعد صدور مرسوم حكومي ينص على إجراء الإحصاء وخلال يوم واحد كان الهدف الأول هو بيان عدد الكرد السوريين في الحسكة وكذلك الأجانب والمكتومين وما إلى ذلك. وبعد إجراء ذلك الإحصاء تم تحديد السكان إلى ثلاث أصناف، منهم المجنسين ومنهم الأجانب ومنهم المكتومين؛ وبذلك فرضت إجراءات قاسية على المواطنين الكرد وتم تطبيق قوانين تمنع وتحرم، شرائح مختلفة حق العمل والتنقل والدراسة والتملك والخدمة الإلزامية وتسجيل الولادات. وهوما دفع بشرائح كثيرة من السكان إلى مغادرة الجزيرة وديارهم صوب المدن الكبرى، بحثاً عن العمل والفرص المتاحة، وضمان استمرارية الحياة بظروفٍ قاسية أقل.
ومنذ الإحصاء المذكور، بقي مئات الآلاف من المواطنين الكرد السوريين بدون جنسية وكانوا يلاقون أعباءً ثقيلة في حياتهم وكانوا على الدوام يترقبون بأمل إنصافهم وفك الكارثة التي حلّت عليهم، ولكن كانت الأنظمة والحكومات المتعاقبة لا تبالي بما أفرز الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام ١٩٦٢ بل وكانت ظروف التعسف والاستبداد والاعتقال والملاحقة تطاردهم وكل ذلك وكأن شيء لم يحصل.
وأظهرت الأيام، إن كل الوعود والكلمات المعسولة بين فترة وأخرى من أفواه المسؤولين، لم تكُن تؤدي إلى نتيجة تُذكر، وكانت لمجرد ذر الرماد في العيون.
وتحت تأثير ظروف بداية الثورة السوريّة والحراك السلمي وكإجراء سطحي لترميم وجه السلطات، أصدر النظام السوري مرسوم إعادة الجنسية للمحرومين من الجنسية، ولكن الإجراءات ومساحة الفساد المستشري في أجهزة الدولة والأموال المطلوبة والتخوّف من أهداف السلطة منعت أعداد هائلة الحصول على الجنسية مجدداً ومازالت المعاناة مستمرة بل زادت أعباء ومظالم ونتائج الإحصاء الاستثنائي ومازالت مستمرة على شرائح مختلفة. ومنذ ٢٠١١ وبدء أحداث الثورة السوريّة بات الشمال السوري في مرمى المشاريع الإسلاموية فدخلت الشعوب السوريّة ومن بينها الكرد في حربٍ طاحنة منذ ٢٠١٤ مع داعش والكثير من التنظيمات الإسلاموية التي كانت تتحرك وفق أجندات تركيّة وقطرية وبات من جديد الحديث عن مطامع تركيّة في السيطرة على الشمال السوري وفق “الميثاق القومي التركي” بحجة المصالح الأمنية التركية والتي احتلت مناطق عفرين وسري كانيه وكري سبي إلى جانب إعزاز، جرابلس والباب وبالتواطؤ مع الروس.
وبذلك بات وجود الكرد مستهدفاً ومحاربة هويتهم القومية والثقافية تندرج تحت عناوين الإبادة في الأعراف الدولية، وكذلك استمر استبعاد الكرد من كل مؤتمرات الحوار الوطني وتشكيل الحكومة والبرلمان وسائر المؤسسات السوريّة بعد سقوط النظام البعثي الذي حوّل البلاد إلى الخراب والدمار وتأليب الأطراف السوريّة على بعضها البعض وآثارها أمام الأنظار سواء في الساحل أوفي السويداء وسواها من المناطق السوريّة.
وأخيراً نستدل من كل ما تم ذكره، بأن تغيير الأنظمة والحكومات وحدها، ربما يجلب الجحيم والأخطار والدمار والانقسام والمشاكل ولا يجلب البناء والحوار والتغيير والتلاحم والأواصر الوطنية ما لم يحصل تغيير في العقول والرؤوس والذهنية والأفكار الكفيلة التي من شأنها استخلاص الدروس والعبر اللازمة والضرورية لبناء “سوريا الجديدة” من بين الركام والأشلاء والدماء..!
No Result
View All Result