No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ الجزيرة السورية، منطقة التنوع الثقافي والتاريخ العريق، تقف اليوم أمام تحدٍ وجودي يهدد بخسارة جزء أصيل من هويتها، وهو “التراث اللامادي”. هذا الإرث الحي، الذي يشمل الحكايا والأغاني والأزياء والحرف والطقوس، هو الذاكرة الجمعية التي صاغتها الأجيال المتعاقبة من شعوب الجزيرة المتنوعة. في خضم الأزمات والصراعات والتحولات الاجتماعية السريعة، تزداد أهمية صون هذا التراث، ليس كوثيقة تاريخية جامدة، بل كقوة دافعة للتماسك الاجتماعي وعنوان للهوية التي تسعى للبقاء والاستمرار.
يُعرف التراث اللامادي بأنه مجموعة الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، التي تعدُّها الجماعات جزءاً من تراثها الثقافي. وفي الجزيرة السورية، بمساحاتها الممتدة بين دجلة والفرات وتنوعها السكاني، الذي يضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والإيزيديين، يتجلى هذا التراث في أبهى صوره. من “العتابا والميجانا” التي تُروى بها قصص الحب والبطولة، إلى “الدبكات” المتنوعة التي تتمازج فيها حركات الأقدام مع إيقاع الزمارة العربية والطنبورة الكردية، مروراً بالحرف اليدوية كصناعة السجاد والبسط وصياغة الفضة التي تحمل بصمات حضارات موغلة في القدم.
الجزيرة.. مثال التمازج الثقافي
ما يميز التراث اللامادي في الجزيرة السورية العمق التاريخي والتداخل الثقافي الفريد. هنا، تلتقي التقاليد الزراعية القديمة في طقوس الحصاد واحتفالات الخصب، مع أشكال التعبير الشفهي لكل شعب. فاللغة السريانية والآرامية، المستخدمة في الصلوات والتراتيل، تشكل جزءاً لا يتجزأ من هذا النسيج، وكذلك الأدب الشفهي الكردي الغني بالحكايات والأساطير، والقصائد البدوية التي توثق نمط حياة “أهل الوبر”.
إن هذا التنوع ليس مجرد مجموعة من العادات المتباينة، بل هو تآلف وتمازج كلي حيث تتشارك الشعوب في عناصر ثقافية أساسية، كالمطبخ الغني الذي يضم أطباقاً مثل “الكشك” و”الطرشكية” و”المنسف العربي”، أو أزياء الزفاف التي تتشابه في فخامتها وتفاصيلها الملونة، ما يعكس قروناً من العيش المشترك والتفاعل الخلاق.
أسباب التهديد: رياح العصرنة الحديثة والأزمة
يواجه هذا الإرث اليوم تحديات جسيمة تهدد باندثاره. لعل أبرز هذه التحديات يأتي نتيجة الهجرة والتهجير القسري اللذين فككا العديد من المجتمعات المحلية، وجعل حاملي هذا التراث (كبار السن والحرفيون والمؤدون) يبتعدون عن بيئتهم الأصلية. ومع غياب البيئة الحاضنة، يضعف انتقال هذه المهارات والتقاليد إلى جيل الشباب الذي ينشغل بهموم البقاء والانخراط في ثقافات بديلة.
إضافة إلى ذلك، تلعب الحداثة و”العولمة الثقافية” دوراً في طمس المظاهر التقليدية. فالأغاني الشعبية تحل محلها الأغاني الحديثة، والحرف اليدوية تعجز عن منافسة المنتجات الصناعية الرخيصة، واللغات المحلية تتراجع أمام لغة التعليم والإعلام الأكثر انتشاراً. وفي ظل غياب استراتيجيات وطنية فاعلة للتوثيق والحماية، يبقى هذا الإرث عرضة للتشويه والاندثار، أو حتى الاستيلاء والتحريف من جهات أخرى.
صون التراث اللامادي حماية الهوية
إن صون التراث اللامادي في الجزيرة السورية ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وطنية وإنسانية، وهو يحمل أبعاداً متعددة لأن التراث مرآة الهوية. فالحفاظ على القصص والأغاني واللغات يعني الحفاظ على الذاكرة المشتركة، التي تربط الإنسان بأرضه وبتاريخه. وهو يساهم في تعزيز الفخر الثقافي لدى الأجيال الشابة، ويغرس فيهم الشعور بالانتماء.
بالإضافة إلى ذلك بعد التماسك الاجتماعي، بما أن التراث اللامادي هو نتاج تفاعل شعوب المنطقة، فإن العمل على صونه يمثل أداة قوية لتعزيز الحوار والتسامح والوحدة. إنه يبرز النقاط المشتركة والجسور الثقافية، التي تربط المجتمعات المختلفة، ويمكن أن يكون رافعة لإعادة بناء الثقة والنسيج الاجتماعي بعد سنوات االصراع.
ويمكن توظيف هذا التراث كقوة دافعة للاقتصاد المحلي، خاصة من خلال السياحة الثقافية المستدامة، ودعم الحرف اليدوية التقليدية، التي تمثل قيمة مضافة عالية. فإحياء هذه الحرف يوفر فرص عمل ويحافظ على مهارات قديمة ذات قيمة عالمية.
خارطة طريق مقترحة
يجب إطلاق مشاريع عاجلة لتوثيق هذا التراث بالصوت والصورة والنص، والعمل على بناء أرشيف رقمي ضخم متاح للباحثين والجمهور، مع التركيز على شهادات “الكنوز البشرية الحية” من كبار السن الذين يحملون المعرفة الأصيلة، فضلًا على تطوير برامج تدريبية لتعليم الحرف اليدوية واللغات المحلية والآداب الشفهية في المدارس والمعاهد، وتمكين المنظمات المجتمعية المحلية، خاصة تلك التي يقودها الشباب والنساء، لكي تصبح الحامي والراعي لهذا التراث من خلال تنظيم المهرجانات وورش العمل والفعاليات الثقافية.
الجزيرة السورية، بما تحمله من تنوع ثقافي ولغوي، تقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يُصان تراثها اللامادي ليبقى شاهداً على هوية المنطقة وتراثها، وإما أن يذوب في زحمة التغيرات المتسارعة.
إن الحفاظ على هذا التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وطنية وإنسانية. فهو الذاكرة التي تحفظ ملامح المكان، والجسر الذي يربط الأجيال ببعضها، والهوية التي تمنح الجزيرة السورية خصوصيتها في خريطة العالم الثقافية.
No Result
View All Result