No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في خِضم التحولات السياسية المعقدة التي تشهدها سوريا، يبرز تفاوت بنيوي صارخ بين مكونات المشهد السياسي، لا سيما بين الحكومة الانتقالية السوريّة والإدارة الذاتية في شمال وشرق البلاد، هذا التفاوت لا يقتصر على الأداء الإداري أو العسكري، بل يتعداه ليكشف عن أزمة شرعية وهيكلية عميقة، تضع علامات استفهام حول مستقبل الحكم في سوريا وإمكانية بناء شراكة سياسية متكافئة.
تعاني الحكومة الانتقالية السورية من هشاشة بنيوية واضحة، تتجلى في غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة الفاعلة، فهي تفتقر إلى منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على إدارة شؤون المواطنين أو تقديم الخدمات الأساسية لهم. لا توجد هياكل إدارية راسخة، ولا جهاز بيروقراطي يشكل العمود الفقري لأي سلطة تنفيذية، هذا الفراغ لا يجعلها عاجزة عن أداء وظائفها فحسب، بل يحوّلها إلى كيان يعتمد بشكلٍ شبه كلي على الدعم الخارجي، دون امتلاك قاعدة داخلية مستقلة تضمن استمراريتها أو شرعيتها.
ويزداد هذا الضعف وضوحًا في الجانب العسكري، حيث تغيب القوة النظامية المحترفة، وتُستبدل بتشكيلات مسلحة غير متجانسة تفتقر إلى الانضباط والقيادة الموحدة، هذا الواقع يضعف قدرتها على فرض السيادة، ويجعلها عاجزة عن حماية المناطق التي تدّعي تمثيلها، فضلاً عن فقدانها القدرة على الردع أو الدفاع أمام التهديدات الأمنية.
في المقابل، تبرز الإدارة الذاتية نموذجاً مؤسساتياً راسخاً يتمتع بقدر كبير من التنظيم والانضباط. فمنذ أكثر من عقد، استطاعت هذه الإدارة بناء منظومة مؤسساتية متكاملة تشمل قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم وخدمات البلدية والأمن الداخلي. وقد نجحت في ترسيخ بنية إدارية فعالة تستند إلى مبدأ اللامركزية والديمقراطية التشاركية، ما منحها قدرة استثنائية على الاستجابة لاحتياجات المواطنين في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.
ومن أبرز مظاهر قوتها المؤسساتية تطويرها لنظام قضائي مستقل وأجهزة أمنية منظمة، وعلى رأسها قوى الأمن الداخلي (الأسايش)، التي أثبتت كفاءتها في حفظ الأمن والاستقرار، هذه القوات تعمل وفق هيكلية واضحة وتدريب مهني، ما يعزز من قدرة الإدارة الذاتية على فرض النظام ومواجهة التهديدات بكفاءة.
أما على الصعيد العسكري، فتتمتع الإدارة الذاتية بقوة قتالية منظمة تُجسّد صفات الجيش الوطني الحامي لجميع الشعوب والإثنيات. قوات سوريا الديمقراطية، التي هي قوات عسكرية تمثل الإدارة، أثبتت جدارتها في مختلف الميادين، وتعمل ضمن تنظيم مؤسساتي يعكس احترافية عالية وانضباطًا صارمًا، ما يجعلها حجر الأساس في حماية الاستقرار وضمان التعايش المشترك.
تفاوت بنيوي ينسف فكرة الاندماج المتكافئ
تُظهر المقارنة بين الطرفين تفاوتًا بنيويًا عميقًا في الجاهزية المؤسساتية والشرعية السياسية. فبينما تغرق الحكومة الانتقالية في أزمة بنيوية تجعلها عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، نجحت الإدارة الذاتية في بناء نموذج إداري ديمقراطي يتمتع بمؤسسات متكاملة وأجهزة أمنية منظمة، هذا التفاوت يجعل الحديث عن اندماج متكافئ بين الطرفين أقرب إلى الطوباوية السياسية منه إلى الواقعية.
فكيف يمكن تصور شراكة حقيقية بين طرف يمتلك مؤسسات راسخة وقوة عسكرية منضبطة، وآخر يفتقر إلى أبسط أدوات الحكم؟ بل إن هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى أي تعاون مستقبلي مع كيان هش يعتمد في وجوده على الدعم الخارجي أكثر من اعتماده على شرعية داخلية أو قدرة ذاتية.
في ضوء هذا التفاوت، يتضح أن الحكومة الانتقالية تتعمد التباطؤ في اتخاذ خطوات جدية نحو تنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار، إدراكًا منها بأن أي اندماج فعلي من شأنه أن يقلّص من نفوذها ويحدّ من هيمنتها على مفاصل القرار السياسي، هذا التردد لا يعكس فقط حسابات سياسية ضيقة، بل يكشف عن غياب الاستعداد البنيوي لتحمل مسؤوليات الحكم الحقيقي، في مقابل طرف يمتلك أدوات الفعل السياسي والمؤسسي.
إن الاعتراف بهذا التفاوت البنيوي ليس مجرد توصيف، بل هو شرط أساسي لأي نقاش جاد حول مستقبل سوريا. فبناء نظام سياسي مستقر وعادل يتطلب شراكة بين أطراف تمتلك شرعية داخلية ومؤسسات فاعلة، لا بين كيان هش وآخر متماسك. وفي هذا السياق، تبرز الإدارة الذاتية كطرف لا يمكن تجاهله في أي معادلة سياسية مستقبلية، ليس فقط بسبب قوتها العسكرية، بل بفضل نموذجها المؤسسي الذي أثبت قدرته على الصمود والاستجابة لتحديات الواقع.
No Result
View All Result