No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
لطالما رُفعت شعارات “الأمن” و”الاستقرار” من قبل قوى دولية وإقليمية بوصفها الغاية القصوى للشعب السوري. إلا أن هذه الشعارات، في حقيقتها، غالباً ما تخدم أجندات تلك القوى على حساب المصالح الأساسية لسوريا، فالواقع يُجبرنا على إجراء قراءة نقدية أعمق: إن التحدي الجوهري لا يكمن في مجرد إيقاف القتال، بل في استعادة السيادة الكاملة والاستقلال الوطني الذي يُشكِّل الأساس الوحيد لأي استقرار حقيقي ودائم. فما قيمة أمنٍ يُفرض بواسطة قوى احتلال، أو استقرارٍ يُشيّد على أنقاض القرار الوطني المستقل؟
تركيا واستراتيجية التوسّع من لواء الإسكندرون إلى عمق سوريا
لم تكن العلاقة السوريّة – التركيّة يوماً علاقة ندية بين جارتين، بل ظل لصيقاً بها إرث من التوسع والهيمنة، فجذور الأطماع التركية تمتد إلى عقود، بدءاً باحتلال لواء الإسكندرون السوري وضمه قسراً عام 1939 بموافقة دولية (فرنسية) مشبوهة، في سابقة خطيرة انتهكت السيادة السورية، هذه النظرة التوسعية لم تتغير، بل تحولت إلى عقيدة استراتيجية ترى في الأراضي السورية الشمالية “عمقاً تركياً” يجب السيطرة عليه.
ومع انطلاق الشرارة السوريّة في 2011، لم تتردد أنقرة في توظيف الأزمة لتحقيق مكاسبها التاريخية. تحت ذرائع “الأمن القومي”، شنت تركيا عمليات عدوانية مباشرة تحولت بموجبها من دولة جارة إلى قوة احتلال فاعلة، لا تسعى فقط إلى تأمين حدودها على حد ادعائها، بل إلى إعادة هندسة الواقع السوري لصالحها.
الوجود التركي في شمال سوريا ليس حدثاً عابراً أو إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل هو مشروع استعماري متكامل يعمل على عدة محاور:
أولاً؛ التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي: عبر عمليات تهجير قسري ممنهجة للسكان العرب والكرد الأصلاء في مناطق مثل عفرين وسري كانيه وكري سبي/ تل أبيض واستبدالهم بعائلات وعناصر موالية من المجموعات المرتزقة الموالية لتركيا، ما يشكّل جرماً حربياً صريحاً.
ثانياً؛ طمس الهوية وفرض التتريك: يتم بشكلٍ منهجي تعزيز الهوية التركية عبر رفع الأعلام التركية، وإدخال المناهج واللغة التركية إلى النظام التعليمي، وإحلال الليرة التركيّة مكان الليرة السوريّة في المعاملات اليومية، في محاولة لقطع هذه المناطق عن نسيجها الوطني السوري.
ثالثا؛ الاستعمار الاقتصادي: السيطرة على المعابر التجارية والموارد الطبيعية (مثل المياه والنفط)، وربط البنية التحتية من كهرباء واتصالات بشكلٍ كامل بالاقتصاد التركي، ما يحول المنطقة إلى سوق تابعة ومصدر للثروات تُسرق من أصحابها الشرعيين.
رابعاً؛ توظيف المرتزقة كأداة للهيمنة: تقوم أنقرة بتسليح وتمويل وتوجيه مرتزقة موالين لها في سوريا، لا لتحقيق أهدافها في سوريا فحسب، بل وتصديرها كمرتزقة إلى ساحات صراع أخرى (كليبيا وأذربيجان)، مسيئةً بذلك إلى السوريين واستقرار المنطقة.
بهذه الآليات، يُعاد رسم خريطة الشمال السوري لتصبح محميات تركيّة شبه مستقلة، تمهيداً لضمها بحكم الأمر الواقع، في ضربة قاضية لوحدة الأراضي السوريّة وسيادتها.
إن اختزال حل الأزمة السوريّة في كلمتي “أمن واستقرار” هو وصفة لفشل دائم. فالأمن الذي يُفرض تحت ظل الاحتلال هو أمن وهمي، وقرار يُتخذ في أنقرة أو تل أبيب أو واشنطن هو قرار مهين، والاستقرار الذي يُبنى على التجزئة والتغيير الديمغرافي هو استقرار هش قائم على ظلم سينفجر عاجلاً أم آجلاً.
لا يمكن تصور أمن حقيقي دون استعادة كل شبر من الأرض، ولا يمكن بناء استقرار دائم دون قرار وطني حر ومستقل. إن التسويات الجزئية والهدن المؤقتة ليست سوى مسكنات تُعمّق المرض بدلاً من علاج دائم.
خلاصة القول إن سوريا اليوم أمام خيار مصيري: إما القبول بواقع التجزئة والوصاية والاحتلال تحت شعارات براقة، أو النضال من أجل استعادة السيادة الكاملة على كامل التراب الوطني. إن الطريق الوحيد نحو مستقبل آمن ومستقر وعادل يمر حتماً عبر:
تحرير جميع الأراضي المحتلة.
إنهاء جميع أشكال الوصاية الأجنبية على القرار السياسي والاقتصادي السوري.
إعادة بناء الوطن على أساس المواطنة المتساوية والعدالة لجميع السوريين.
إنها معركة وجود، لا مجرد نزاع سياسي. فإما استقلال حقيقي، أو أمن موهوم يُكرّس التبعية والانقسام.
No Result
View All Result