No Result
View All Result
قامشلو/ فريدة عمر ـ في سياق حالات العنف والجرائم المستمرة التي تشهدها سوريا، جريمة أخرى هزت الأوساط الشعبية، حادثة اغتصاب الشابة العلوية “روان جرس”، ذات العشرين ربيعاً، ليذكرنا مجدداً بالمخاطر التي تعيشها النساء السوريات، فهل ستنصف قضيتها، أم ستترك جرحها مفتوحاً كسابقاتها دون محاسبة الجناة؟
في الثامن من كانون الأول من العام 2024، في ليلة باردة على مقربة توديع عام واستقبال آخر، تعالت أصوات الرصاص والزغاريد، من المدن السورية، فرحاً بزوال حقبة مظلمة وكوابيس طويلة عاشها الشعب السوري، واستبشاراً بسقوط نظام الأسد، ذاك الذي لم يجلب للبلاد وشعبها سوى الويلات والصراع المستمر، لكن هل تمت هذه الفرحة؟
مع الأسف، لم يكن الوضع حسب توقعات الشعب السوري، بأنّهم سيتنفسون الصعداء، وسيفتح لهم باب الأمل والحرية، بل على العكس تغيرت المسميات والشخصيات، ولكن بقيت الذهنية العنصرية والطائفية، ومشاهد القتل والدمار والرعب سيد المواقف على الساحة السورية.
جرائم وعنف طائفي
إن أردنا استعراض بعض الأحداث، ولو على شكل لمحة بسيطة، لنتذكر كيف أتت الحكومة الجديدة المتمثلة بعناصر هيئة تحرير الشام، وتسلمت زمام الأمور، وأصبحت تتحكم بأمور السلطة والتعيينات، وهنا يجب أن نضع العشرات من الخطوط تحت كلمة التعيينات، حيث أننا رأينا من وصل إلى أرباب السلطة والحكم، بعد ما سمي بـ “مؤتمر النصر”، الذي عقد في دمشق، في 29 كانون الثاني من العام 2025، بحضور قواد من المرتزقة ممن تلطخت يدهم بالدم السوري أمثال “حاتم أبو شقرا وأبو عمشة”، وغيرهم. لتكون رسالة واضحة من الحكومة الجديدة للشعب السوري، بأنّ الطائفية والقتل مستمر ولو كان بقناع آخر جديد.
لنصل إلى أحداث الساحل السوري والسويداء، والكثير من العنف والطائفية بحق الطائفتين العلوية والدرزية، حيث وعلى وضح النهار وأمام مسمع ومرأى العالم، تمت جرائم القتل والاغتصاب والاختطاف، والإعدام الميداني، فقط نتيجة الاختلاف الطائفي.
وحسب إحصائية للمرصد السوري لحقوق الإنسان، ارتفعت حصيلة ضحايا أحداث السويداء إلى 2038 قتيلاً، بينهم مدنيون وأطفال ونساء، مع استمرار عمليات البحث عن المفقودين وتوثيق الإعدامات الميدانية. وفي سياق متصل، وثق المرصد السوري حصيلة ضحايا تموز الفائت فقط من أبناء الطائفة الدرزية 1583 شخصاً.
وحسب الجهة ذاتها، فقد بلغت حصيلة ضحايا عمليات التصفية من النساء والأطفال منذ بداية العام الجاري، 32 امرأة و21 طفلاً، في مدن متفرقة من سوريا.
وأظهرت بيانات المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ مدينة حمص سجلت أعلى عدد من ضحايا عمليات التصفية ذات الطابع الانتقامي، مقارنةً بباقي المدن السورية، ما يعكس حجم التهديدات المستمرة التي تطال المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال بوصفهم الفئات الأكثر استهدافاً. ففي دمشق قُتلت امرأة، واثنتان في ريفها، بينما شهدت حمص مقتل 17 امرأة، وتسعة أطفال، وفي حماة قتلت سبع نساء، وأربعة أطفال، إضافة إلى أربع نساء، وستة أطفال في اللاذقية، وامرأة وطفل في طرطوس، وطفل واحد في درعا.
جريمة اغتصاب في وضح النهار
وفي سياق متصل، للجرائم المروعة، التي تشهدها النساء في المدن السورية، في حادثة تهز الضمير وتكشف حجم الانتهاكات المستمرة بحق العلويين، تعرّضت الفتاة العلويّة “روان جرس”، في العشرين من عمرها، قبل يومين، في ريف سلحب لاعتداء همجي، حيث أقدم مسلحون يعملون مع ما يسمى الأمن العام من منطقة العشارنة على اعتراض طريقها أثناء ذهابها إلى عملها على دراجتها الهوائية، وأنزلوها بالقوة، وجردوها من ملابسها واغتصبوها علناً في وضح النهار، ثم تركوها عارية في الطريق.
الفتاة هي المعيلة الوحيدة لأسرتها بعد وفاة والدها ومرض شقيقها. هذه الجريمة ليست الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة اعتداءات طالت مدنيين وخصوصاً النساء في المنطقة ذات الغالبية العلوية، حيث يستغل المعتدون نفوذهم العشائري وقوة السلاح.
وحسب مصادر محلية، الأهالي عاجزون عن الرد أو الانتقام خشية جيوش سلطات الأمر الواقع التي تهدد بفتك القرى وأهلها، إذا حاول أحد الدفاع عن نفسه أو الرد على هذه الجرائم.
والمعتدون يتصرفون كقوة فوق القانون، مستفيدين من غضّ سلطات الأمر الواقع الطرف عن تجاوزاتهم المتكررة، ما يعكس تمييزاً ممنهجاً ضد المدنيين العلويين في هذه المناطق. ويُترك الطريق لأصحاب النفوذ العشائري، فيتحكمون بمن يمرّ ومن يُهان، بينما المدنيون بلا حماية ولا حتى حق الشكوى.
وتعكس هذه الجرائم تفاقم الفوضى الأمنية في ظل غياب الاستقرار؛ ما يضع السلم الأهلي في دائرة الخطر، ويجعل المدنيين عرضة لانتهاكات متكررة. وتبقى مسؤولية حماية المدنيين ومحاسبة الجناة مسؤولية ملحّة تقع على عاتق السلطات المحلية والمجتمع الدولي، لضمان وقف هذه الانتهاكات وصون كرامة الضحايا وعائلاتهم.
ردود أفعال غاضبة ودعوات للمحاسبة الفورية
أثارت الجريمة ردود فعل غاضبة واستنكاراً واسعاً على مواقع التواصل الافتراضي، وتصاعدت المطالبات بالإسراع في الكشف عن المجرمين وتقديمهم إلى العدالة، لينالوا جزاءهم العادل. فالعدالة هي السبيل الوحيد لإنصاف الضحية وردع الجناة، ومنع تحول مثل هذه الحوادث إلى شرخ اجتماعي يهدد السلم الأهلي في مجتمع يتوق إلى الأمان بعد سنوات طويلة من العنف.
حيث نُقل بيان صادر عن أهالي قرية “حورات عمورين” جاء فيه: “نحن أهالي قرية حورات عمورين عموماً وأعمام الفتاة المغتصبة، نستنكر هذه الجريمة البشعة التي تتنافى مع القيم الإنسانية والأعراف والتقاليد والأديان، والتي تأبى الوحوش أن تفعلها، نتوجّه إلى الجهات المعنية بالتحقيق والبحث والكشف عن الفاعلين بأسرع وقت ممكن، من أجل أن ينالوا جزاءهم العادل كي لا تتكرر هذه الجريمة مع فتاة أخرى”.
فيما استنكرت العديد من الحركات والتنظيمات النسائية أيضاً الجريمة، حيث قال مجلس المرأة السورية في بيان له: “لقد أثارت هذه الجريمة موجة غضب واسعة بين الأهالي، والتي تمثل اعتداءً صارخاً على كرامة الإنسان وحقوق المرأة، وتثير القلق والحزن، كما تهدد أمن النساء والفتيات في المنطقة”.
وطالب مجلس المرأة السورية الجهات المختصة بسرعة التحقيق والقبض على الجناة ومحاسبتهم وفقاً للقانون.
في السياق ذاته، عدّ المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا، جريمة الاعتداء الجنسي بحق الشابة روان حلقة من مسلسل الانتهاكات الناتجة عن انفلات أمني مقصود أو تساهل وتواطؤ من “السلطة” في سوريا أو ضغط على ذوي الضحايا، ودعا مجلس الأمن والمنظمات اتخاذ إجراءات فورية لحماية المدنيين وإحكام سيادة القانون.
وتبقى قضية الشابة “روان جرس” إنذار يذكر بأنّ أمن الفتيات وكرامتهن ليس شأناً فردياً، بل مسؤولية مجتمع بأكمله ودولة مطالبة بإثبات قدرتها على حماية أبنائها. وما حصل مع روان هو استكمال مسيرة استباحة طائفية في سوريا، وهو عار على السلطة وهيئاتها.
No Result
View All Result