No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ شكل سور الرقة الأثري منذ آلاف السنين، أحد أبرز المعالم التي ميّزت المدينة على ضفاف الفرات، شاهداً على حضارات متعاقبة تركت بصماتها في الطراز المعماري والإنساني، هذا السور الذي عاصر فترات الازدهار والانكسار، ظلّ حتى السنوات الأخيرة مهدّداً بالاندثار بسبب الحروب، والعوامل الطبيعية، والإهمال الذي طال المواقع الأثرية في سوريا عموماً.
واليوم، تتجدد الحياة في جدران هذا المعلم التاريخي عبر مشروع ترميم شامل أطلقته هيئة الثقافة في إقليم شمال وشرق سوريا، بالتعاون مع هيئة الثقافة وبلدية الشعب في مدينة الرقة، وجهات محلية أخرى، ليصبح سور الرقة مرة أخرى رمزاً للصمود الثقافي والحضاري.
مشاريع ترميم لحماية المواقع الأثرية
وفي السياق، قالت الرئيسة المشتركة لهيئة الثقافة والآثار لإقليم شمال وشرق سوريا “سرفراز شريف” في تصريح خاص لصحيفتنا “روناهي”: “انطلاقاً من مسؤوليتنا التاريخية والثقافية، نعمل بشكل دائم على مشاريع لحماية وحفظ المواقع الأثرية من أي اندثار أو عوامل خارجية تؤدي إلى انهيارها، وكانت البداية في مدينة الرقة من خلال مشاريع ترميم استهدفت عدة مواقع أثرية، كان أهمها سور الرقة الأثري”.
والسور الذي تعرّض منذ عام 2014 وحتى عام 2019 لدمار كبير بسبب الحرب، إضافة إلى عوامل طبيعية من تآكل وانهيارات في أجزائه الطينية، دخل مرحلة جديدة من الترميم في نهاية عام 2023 وبداية عام 2024، وتركّزت الجهود على وقف التدهور السريع، وترميم النقاط الأكثر عرضة للانهيار، لضمان استمراريته للأجيال القادمة.
ترميم علمي بأساليب تقليدية
وأوضحت “سرفراز”، أنّ العمل تم على ثلاث نقاط رئيسية في السور، إحداها قرب باب بغداد، حيث أُزيلت الحشوات الطينية المتضررة، وأعيد بناؤها باستخدام حشوات جديدة، مع الاستعانة بالقرميد التقليدي الذي جُلب من أفران هرقلة. ولم يكن العمل عشوائياً، بل جاء وفق مقاييس دقيقة “275” متراً مكعباً من اللبن الطيني استُخدم في إعادة بناء الأجزاء المهدمة”، و”85″ متراً مكعباً من القرميد استُخدم في تدعيم النقاط الحرجة”.
وأضافت: “هدفنا الأول هو الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للسور، ولذلك نعتمد على مواد وأساليب تقليدية مستوحاة من طراز البناء التاريخي، بعيداً عن أي إضافات حديثة قد تشوّه هويته”.
وفي خطوة نوعية، بدأت هيئة الثقافة مع بلدية الرقة والجهات الداعمة مشروع بناء بوابة جديدة لمدخل سور الرقة، ستكون هذه البوابة على النمط المعماري الأثري ذاته، بحيث تنسجم مع الطابع العام للسور، وتصبح رمزاً للمدينة. كما وأوضحت سرفراز، أنّ المشروع انطلق في شهر حزيران من العام الجاري، ومن المتوقع أن يستمر العمل حتى شهر تشرين الأول من العام نفسه، وخلال هذه الفترة ستُستخدم معدات خاصة ومواد تقليدية لتضمن أن البوابة لا تبدو دخيلة، بل جزءاً أصيلاً من السور.
حماية السور من التجاوزات
ولم تكن التحديات مرتبطة فقط بالترميم التقني، بل بالتجاوزات التي طالت المنطقة المحيطة بالسور خلال سنوات الحرب أيضاً، فقد استُخدمت بعض أجزاء السور لأغراض تجارية، أو أُقيمت محال ومنازل مخالفة بجواره.
وبينت سرفراز، أنّ المشروع لا يقتصر على إعادة البناء، بل يمتد إلى إطلاق حملات توعية مجتمعية في مدينة الرقة للحفاظ على السور: “هدفنا ليس الترميم فقط، بل تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذا المعلم التاريخي. أطلقنا عدداً من الحملات التوعوية، وسنستمر بها مستقبلاً لضمان أن يبقى السور محمياً من أي اعتداءات”.
وفي هذا السياق، يجري التنسيق مع بلدية الشعب وهيئة الثقافة في المدينة لفرض غرامات على المحال التجارية والمنازل المخالفة المحيطة بالسور، وذلك لضمان حماية الموقع من التعديات الحديثة، حيث أكد إداريو هيئة الثقافة، أنّ العمل على سور الرقة هو جزء من رؤية أشمل تهدف إلى حماية التراث المادي واللامادي لإقليم شمال وشرق سوريا، فالحفاظ على السور لا يعني مجرد إنقاذ جدران طينية، بل هو دفاع عن هوية مدينة الرقة وتراثها التاريخي الممتد عبر آلاف السنين. وأشارت سرفراز، إلى أنّ المجتمع المحلي هو الشريك الأساسي في هذا المشروع: “نحن نؤمن بأن حماية الآثار ليست مهمة المؤسسات وحدها، بل مسؤولية جماعية يشترك فيها المواطنون. ولذلك؛ نسعى إلى إشراك الأهالي في حملات التوعية، ليدركوا أنّ الحفاظ على السور هو حفاظ على ذاكرتهم وذاكرة أبنائهم”.
تأسيسه ومواصفاته
وبني سور الرقة الذي يحيط بالمدينة القديمة، في العصر العباسي، وكان جزءاً من تحصينات عسكرية ومعمارية متكاملة، حيث تميز ببنائه الطيني المدعّم بالقرميد، وبواباته التي شكّلت مداخل رئيسية للمدينة، مثل باب بغداد الشهير.
وقد لعب السور، دوراً استراتيجياً في حماية الرقة عبر العصور، قبل أن يتحول لاحقاً إلى رمز تاريخي وثقافي يروي قصة مدينة كانت مركزاً حضارياً هاماً في المنطقة.
ولكن ألقت سنوات الحرب الأخيرة بظلالها الثقيلة على السور، فتعرّض لقصف، وإهمال، وانهيارات متتالية، ومع ذلك، بقي شامخاً، رافضاً أن يختفي من ذاكرة المكان، ليعود اليوم ويستعيد جزءاً من بريقه عبر مشاريع الترميم.
وفي ظلّ ما عانته سوريا من دمار طال الحجر والبشر، تبرز مشاريع الترميم الثقافي كخط دفاع أخير عن الذاكرة الجمعية، فبينما حاولت قوى الإرهاب طمس الهوية التاريخية وتدمير الرموز الحضارية، تأتي الإدارة الذاتية وهيئاتها الثقافية لتثبت أنّ الثقافة قادرة على المقاومة، وأن إعادة بناء سور الرقة ليست عملاً معمارياً، بل رسالة سياسية وحضارية.
واختتمت الرئيسة المشتركة لهيئة الثقافة والآثار لإقليم شمال وشرق سوريا “سرفراز شريف” حديثها: “سور الرقة الأثري هو شاهد على التاريخ، وإعادة ترميمه تعني أننا نعيد كتابة روايتنا بأنفسنا، ونؤكد على أنّ هذه الأرض لها أهلها وحضارتها التي لا يمكن محوها”.
رؤية تتجاوز الرقة
والمشروع الحالي ليس سوى بداية، إذ تخطط هيئة الثقافة لتوسيع دائرة الترميم لتشمل مواقع أثرية أخرى في إقليم شمال وشرق سوريا، كما تعمل على إعداد برامج مشتركة مع منظمات دولية معنية بالتراث؛ بهدف إدراج بعض المواقع ضمن قوائم الحماية العالمية.
وفي الوقت ذاته، تستعد لإطلاق حملات موسعة في المدارس والجامعات لتعريف الأجيال الجديدة بأهمية الآثار والحفاظ عليها. فالمستقبل لن يكون فقط في إنقاذ ما تبقى من جدران، بل في بناء وعي ثقافي قادر على حمايتها لعقود قادمة.
إنّ ترميم سور الرقة الأثري ليس مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هو مشروع ثقافي، اجتماعي، هوياتي، يربط الماضي بالحاضر، من خلاله أكدت الإدارة الذاتية وهيئة الثقافة أنّ حماية التراث هي حجر الأساس لبناء مجتمع متجذّر في تاريخه، ومفتوح على مستقبل أكثر وعياً وصلابة، فلا تستعيد الرقة اليوم سورها فقط، بل تستعيد ذاكرتها.
No Result
View All Result