No Result
View All Result
عدنان الدوسري
(كاتب وقاص عراقي)
لم يكن المسرحُ في يومٍ من الأيام مجردَ خشبةٍ للضحك والعَرَض، بل كان ولا يزال فضاءً رحباً لبناء الوعي وصياغة النفس البشرية. فكما تُربي التراجيديا في الإنسان إحساساً بالجلال والمصير، تُطلق الكوميديا شراراتِ التفكير في تناقضات الحياة وهمومها. لكنّ؛ المشهدَ المسرحيّ العربي في السنوات الأخيرة شهد تحولاً مقلقاً، حيث طغت عليه عروضٌ كوميديةٌ “مشرفة” تكتفي بالقفشات السريعة والإفيهات الجوفاء، بلا عمقٍ ولا رؤية. وهي ظاهرةٌ لا تقتصر على الضعف الفني فحسب، بل تمتدّ إلى تأثيرها في العقل الجمعي والنسيج الاجتماعي.
يرى علمُ النفس في الضحكِ آليةً دفاعيةً تساعد المرء على تجاوز ضغوط الحياة، وذكر فرويد أن “النكتة” تمثل متنفّساً للاوعي ومحرّراً للمكبوت. وفي علم الاجتماع، أشار باختين إلى الضحك الجماعي في السياقات الاحتفالية كقوةٍ تحرّريةٍ تخلخل سلطةَ الخطاب الرسمي. لكنّ هذا الضحكَ حين يُختزَل إلى مجرّدِ لهوٍ آنيّ، بلا معنى نقدي أو عمقٍ فكري، يتحوّل إلى مخدّرٍ جماعيّ، يعيد إنتاج القهر بدلاً من مقاومته. فيضحك الناس لحظةً ثم يعودون إلى واقعهم بلا تغيير، وكأنّما الضحكُ غطاءٌ مؤقتٌ عن جرحٍ لا يندمل.
أمثلة نقدية على التسطيح الكوميدي
أولاً: كوميديا “الاستعراض اللفظي” بلا مضمون كثير من العروض الكوميدية الحالية تعتمد على هزل الموقف دون رسالة، مثل مسرحيات تُقدّم نكاتاً عن العلاقات الزوجية بشكل مبتذل ومكرر، دون طرح رؤية نقدية حقيقية لقضايا المجتمع، بل تعتمد على الصور النمطية الجاهزة. هذه العروض تقدم ضحكاً سهلًا لا يُحرّك سؤالاً ولا يثير تأملاً.
ثانياً: الاعتماد على نجومية الممثل بدلاً من قوة النص بعض الفنانين الكوميديين يعتمدون على شعبويتهم لتجميع الجمهور، بغض النظر عن مستوى النص. نرى عروضاً مليئة بالارتجال الضعيف والحوارات المتكررة التي تفتقر إلى البناء الدرامي، مثل بعض الأعمال المسرحية التي تعاد إنتاجها اليوم بقالب فاقد للروح النقدية التي ميزت الأصل.
ثالثاً: الهروب من القضايا الجادة تحت شعار “الإضحاك فقط” بدلاً من معالجة قضايا مهمة مثل الفساد أو العدالة الاجتماعية، تلجا الكوميديات إلى مواضيع آمنة مثل الخلافات الأسرية أو العلاقات العاطفية السطحية. وهذا يُنتج ثقافة الهروب من المواجهة بدلاً من المشاركة الفاعلة.
لطالما كانت الكوميديا العظيمة، من أيام أرسطو فانيس إلى عصر دريد لحام ونصوص غوغول وتشيكوف، وسيلةً للتطهير الجمعي، لا مجرّد تسلية عابرة. كانت نقداً لاذعاً مغلّفاً بضحكةٍ ذكية، تفضح التناقض وتكشف الوهم. أما اليوم، فغالباً ما نرى عروضاً تنتج ما يمكن تسميته “التسطيح النفسي”، حيث تُمرّر فكرة أن مواجهة المشكلات لا تحتاج أكثر من ضحكةٍ سريعة. وهكذا يتحوّل المسرح من فضاءٍ للتأمل والنقد إلى أداةٍ للهروب من مواجهة الذات والواقع.
ولذلك الانزياح آثارٌ عميقة على البنية المجتمعية؛ فهو يُضعف النقد الاجتماعي ويُغيّب صوت الفن الجادّ في مناقشة القضايا المصيرية. كما يربّي أجيالاً جديدةً لا ترى في المسرح سوى وسيلةً للترفيه السطحي، فتفقد التواصل مع أعماق التراجيديا وجرأة الكوميديا السوداء وقوة المسرح التجريبي. بل والأخطر من ذلك، أن هذه العروض تكرّس منطق الاستهلاك والاستسلام، حيث يُقاس النجاح بعدد التذاكر المباعة، لا بقيمة العمل الفنية أو رسالته، فيتحوّل “أبو الفنون” إلى سلعةٍ ترفيهيةٍ عابرة.
ويذهب البعد النفسي للظاهرة إلى أبعد من ذلك؛ إذ يُفرّق علم النفس بين التنفيس العابر والعلاج العميق. الضحك الخفيف يُطلق الشحنة الانفعالية لحظياً، لكنه لا يغيّر بنيةَ الوعي أو يحرّك أسئلةَ التغيير. أما الكوميديا الحقيقية، فهي التي تدمج بين المتعة والتأمل، فتُحدث ما يشبه “التصحيح المعرفي” عبر الضحك. أما عندما تفقد الكوميديا هذه الروح، فإنها تتحوّل إلى أفيونٍ ثقافيٍ جديد.
ولا يمكن إلقاء المسؤولية على الجمهور وحده؛ فالمؤسسات الثقافية وهيئات النقد تتحمّل جزءاً كبيراً من هذه الوضعية. فغياب النقد الجاد، وضعف الدعم عن العروض ذات المضامين العميقة، يفسح المجال أمام سيطرة النموذج التجاري الخالي من الرسالة.
إن الحلّ ليس في محاربة الكوميديا أو الاستغناء عنها، بل في إعادتها إلى دورها الأصيل: كوميديا تضحك وتفكّر، تكشف وتنقد، وتدفع المشاهد إلى الخروج من القاعة وهو يحمل أسئلةً جديدةً عن ذاته وعالمه. إنها الكوميديا التي لا تهرب من المأساة، بل تستخدم الضحكَ لإضاءة جوانبها، كما في المسرح الجاد أو الكوميديا العميقة.
فالكوميديا المشرفة ليست مجرد ضعفٍ فني، بل هي إحدى أدوات تليين العقل وتسطيح الوجدان. أما المسرح الحقيقيّ، فهو الذي يجمع بين المتعة والمعنى، ويجعل من الضحكِ مدخلاً إلى التفكير، لا بديلاً عنه.
No Result
View All Result