عبد الجبار الخليوي
تبدأ الرحلة عادية، مقاعد مزدحمة بوجوه تحمل حكاياتها الخاصة، رجل أعمال يراجع ملفاته، أمّ تهدهد طفلها، طالبة جامعية تحاول إكمال كتاب لم ينته بعد، وعجوز يحدق من النافذة كأنه يودّع العالم.
دقائق قليلة في السماء في صمت مطمئن، قبل أن يقطعه جرس إنذار حاد، كطَعنة مباغتة، القائد يعلن ببرود أن كل شيء تحت السيطرة، الطاقم يتصرف بطمأنينة مصطنعة، والركاب يتنفسون الصعداء، لكن الرائحة الخفية التي بدأت تتسلل كالدخان غير المرئي كانت الحقيقة الوحيدة، فيما بقيت العيون تبحث عن براءة في كلمات الطمأنة.
الطائرة تعود أدراجها، والعجلات تلمس المدرج بسلاسة، ومن برج المراقبة يبدو كل شيء مثاليًا، هبوط آمن، رحلة نجت من الخطر، لكن الداخل كان مسرحًا لمأساة تتنامى بصمت، مقصورة مغلقة تتحول إلى قفص، دخان أسود يزحف ببطء، ويخنق الهواء والأنفاس، والركاب يتشبثون بقطع قماش، بصلوات مكتومة، بلمسات أخيرة، بينما الأبواب تظل مغلقة في وجه الرجاء.
لم يأتِ الأمر بالإخلاء، فبقي الزمن جامدًا بين لحظة الرجاء ولحظة اليأس، وفي تلك الدقائق التي صارت دهورًا، انكشفت الوجوه على حقيقتها، أب يحاول تغطية فم طفله بمنديل مبلل، فتاة تكتب جملة سريعة على غلاف كتابها، عجوز يغمض عينيه مبتسمًا كأنه استسلم للنهاية، وطاقم محاصر بين الأوامر والكارثة.
وحين فُتحت الأبواب أخيرًا، كان الصمت يصرخ وحده، أجساد هامدة ووجوه متجمدة عند لحظة الرجاء الأخير، لم تتحطم الطائرة، بل تحطم الوهم الذي اسمه “هبوط آمن”.