محمد عيسى
لم تكن قمة ألاسكا، التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في منتصف آب 2025، مجرد اجتماع بروتوكولي عابر أو محطة دبلوماسية روتينية، بل بدت كأنها محاولة لصياغة مشهد جديد في العلاقات الدولية بعد سنوات من التوترات والقطيعة بين موسكو وواشنطن، لكن القمة التي حظيت بمتابعة عالمية واسعة لم تُسفر عن اختراقات فعلية في ملف الحرب الأوكرانية، وهو الملف الأكثر إلحاحاً على جدول الأعمال، بل خرجت بمجموعة رسائل متبادلة، ومؤشرات على مصالح متشابكة، وتوازنات دقيقة، تركت أوكرانيا خارج اللعبة المباشرة، فيما ظهرت بوادر اصطفافات جديدة على مسرح السياسة العالمية.
من قطيعة إلى لقاءٍ مفصلي
يعود آخر لقاء مباشر بين الرئيس الأمريكي وبوتين إلى ما قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. منذ ذلك التاريخ، تحولت العلاقة بين واشنطن وموسكو إلى مواجهة مفتوحة على جبهات متعددة: من العقوبات الاقتصادية الواسعة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون على روسيا، إلى الدعم العسكري والسياسي غير المحدود الذي قدمته لكييف، ومع انتخاب ترامب وعودته إلى البيت الأبيض مطلع 2025، عاد الحديث عن إمكانية كسر الجمود، خصوصاً مع أسلوبه المختلف عن الإدارات السابقة، واندفاعه نحو عقد صفقات مباشرة مع الخصوم بدلاً من البقاء رهينة للبيروقراطية الدبلوماسية أو التحالفات التقليدية.
اختيار ألاسكا مكاناً للقمة لم يكن تفصيلاً عابراً، هذه الولاية الحدودية مع روسيا حملت رمزية واضحة: نقطة تماس بين القوتين العظميين، وجغرافيا تعكس معنى اللقاء بين الضدين. ترامب أراد أن يبعث رسالة مفادها أنه قادر على إعادة وصل ما انقطع، بينما بوتين رأى فيها فرصة لإظهار أن موسكو ما زالت لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاهله في أي معادلة عالمية.
رغم التصريحات العلنية التي ركزت على “السلام” و”وقف الحرب”، فإن جوهر اللقاء دار حول المصالح المتبادلة. ترامب تحدث منذ اللحظة الأولى عن رغبته في وقف فوري لإطلاق النار في أوكرانيا، لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه لن يتفاوض نيابة عن كييف، وأن أي تسوية إقليمية تخص أوكرانيا وحدها، هذه الإشارة حملت في طياتها اعترافاً ضمنياً بأن واشنطن قد لا تمانع تسويات جزئية، ما دامت لا تفرض عليها أثماناً مباشرة.
من جانبه، طرح بوتين عرضاً صريحاً: السيطرة الكاملة على إقليم دونيتسك مقابل وقف القتال. العرض لم يكن جديداً في جوهره، لكنه اكتسب زخماً بكونه طُرح مباشرة على الرئيس الأمريكي، لا على الأوكرانيين أو الأوروبيين. هذا الطرح أكد أن روسيا ترى المعركة اليوم ليست مع كييف وحدها، بل مع الغرب بأكمله، وأن الحل لا يمكن أن يمر إلا عبر اتفاق مع واشنطن.
المصالح لم تقتصر على أوكرانيا. بوتين جاء إلى ألاسكا مصطحباً وفداً من رجال الأعمال، في رسالة واضحة إلى أن موسكو تريد فتح الباب لعودة التبادل الاقتصادي ولو جزئياً، خصوصاً في ظل العقوبات التي أنهكت الاقتصاد الروسي. ترامب بدوره حرص على التأكيد أن أي نشاط اقتصادي لن يبدأ قبل انتهاء الحرب، لكنه لم يُغلق الباب تماماً، وهو ما قرأته موسكو كإشارة إيجابية.
نتائج محدودة… لكنها مؤثرة
بعد ثلاث ساعات من النقاش المكثف انتهت قمة ألاسكا التي جمعت الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين بلا بيان مشترك ولا اتفاق ملموس، وهو ما ترك انطباعاً أولياً بخيبة أمل لدى المتابعين.







