No Result
View All Result
حمزة حرب
من الواضحِ أنَّ بعض القوى الإقليميّة تتمتع بالتأثير في توجهاتِ وقراراتِ الحكومة الانتقاليّة في سوريا بعد سقوط النظام السوريّ، لكن نفوذ دولة الاحتلال التركيّ اتخذ منحىً متصاعداً، ليصبح اليوم أحد أبرز العوامل المحددة لسياسات هذه الحكومة، ولم يقتصر هذا النفوذ على البعد السياسيّ، بل شمل أيضاً الجوانبَ الأمنيّة، والاقتصاديّة، والإداريّة، ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى استقلاليّة القرار السوريّ في هذه المرحلة الحساسة.
وتخضع العديد من الوزارات والهيئات في الحكومة الانتقاليّة لعلاقة تنسيق مباشر مع مسؤولين أتراك، خاصة في ملف إدارة المعابر، والتجارة، والتعليم. وفي بعض الحالات، يتم تعيين شخصيات مقرّبة من أنقرة في مناصب حسّاسة في الدولة ما يهدد استقلاليّتها في رسم معالم البلاد بعد سقوط النظام السابق وتحديد هوية نظامٍ جديد ومستقل.
لحظات مفصليّة
بدأ تدخل الاحتلال التركيّ في الشأن السوريّ منذ اندلاع الثورة السوريّة في آذار 2011، وبسبب تدخله تحولت الثورة إلى أزمة متعددة السويات، والحقيقة لم تدعم أنقرة مسار الثورة السوريّة بمطالبها المحقّة وأهدافها المشروعة، بل دعمت من أُطلق عليهم مسمى المعارضة السياسيّة والمسلحة، وحتى التنظيمات المتطرفة، ووفرت لها ملاذاً آمناً ومنطلقاً للنشاط السياسيّ والعسكريّ، وحوّلت مجموعات من المسلحين السوريين مرتزقة وجيشاً تركيّاً رديفًا، زُجّت به في عدوانها على سوريا واحتلال مناطق في شمال سوريا، وكما نقلت آلاف المرتزقة ليقاتلوا في إطار أجندتها في ليبيا وأذربيجان.
كان سقوط نظام الأسد في كانون الأول الماضي لحظة مفصليّة بدت فيها الفرصة متاحةً لدولة الاحتلال للهيمنة على القرار السوريّ ومصادرته. وتغيّر شكل النفوذ التركيّ، من دعم المعارضة في مواجهة النظام، إلى محاولة التحكم بقرارات المرحلة الانتقاليّة، وضبط مسارها بما يتماشى مع أولويات أنقرة السياسيّة تحت ستار الأمنيّة، وعلى رأسها ملف القضية الكردية ووجود قوات سوريا الديمقراطيّة.
الهيمنة التركيّة جاءت بأشكال متعددة في ظل هذه اللحظات المفصليّة، فكانت بالنفوذ المباشر على القرار السياسيّ والعسكريّ للحكومة الانتقاليّة والمجموعات المدعومة منها، حيث فرضت أنقرة قيوداً على أيّ انفتاح نحو أطراف تعدُّها أنقرة “خصوماً”، وخاصة الإدارة الذاتيّة وقوات سوريا الديمقراطيّة أو التيار الديمقراطيّ المدنيّ.
كما بدت تستخدم هالة إعلاميّة وشبكات تموّلها لتستخدم وسائل الإعلام الرسميّة وشبه الرسميّة لتشويه أيّ مبادرة حوار مع خصومها ووصفها بأنها “تنازل” أو “خيانة” خصوصاً عند طرح مبادرات من أطراف دوليّة أو إقليمية لعقد مؤتمر سوريّ – سوريّ شامل، فتمارس تركيا نفوذاً على حلفائها أو اتباعها لرفض المشاركة إذا كان الخصوم مدعوين.
ملامح نفوذ الاحتلال التركيّ في الحكومة الانتقاليّة بدت واضحةً منذ لحظة تشكيلها بعد سقوط النظام، وهذا ما يؤكد أنّ هذا النفوذ خلق حالة من الارتهان السياسيّ، لدرجة تبني الحكومة الانتقاليّة مواقف منسجمة مع السياسات التركيّة الإقليميّة، حتى وإن تعارضت مع المصالح الوطنيّة السوريّة وعلى حساب الشعوب السوريّة.
مصادر مطلعة تؤكد أنَّ معظمَ الملفات الحساسة، لا يُتخذ القرار فيها في الداخل، بل تُرفع إلى أنقرة للحصول على الضوء الأخضر، وهذا يخلق شعوراً بأنّنا لسنا أمام سلطة أو حكومة مستقلة تملك زمام أمرها، وهو ما يهدد وحدة القرار السوريّ، ويحوّل الحكومةَ إلى أداةٍ ضمن استراتيجية أنقرة الإقليميّة. والبعض يرى أن تركيا تستغل ضعفَ المؤسسات الانتقاليّة وغياب الدعم العربيّ أو الدوليّ الكافي، لتفرض نفوذها بشكلٍ شبهِ كاملٍ.
فعلى سبيل المثال مواقف الحكومة من ملف الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا، أو من الحوار مع أطراف سوريّة أخرى، كثيراً ما تأتي منسجمةً مع رؤيةِ حكومةِ الاحتلالِ التركيّ، سيما وأنّ هاكان فيدان بدا يلعب دوراً بارزاً لدى الحكومة الانتقاليّة ويزور دمشق بشكلٍ مكثفٍ ويأتي محملاً بالتوجيهات لهذه الحكومة.
حوار معرقل
هاكان فيدان كان سابقاً يشغل منصبَ رئيس جهاز الاستخبارات التركيّ، وهو يعلم جيداً طبيعة الحكومة الانتقاليّة الحالية، وماضيها وكيف جرى التعامل معها، واليوم عندما بات يشغل منصب وزير الخارجيّة بات يأخذ دور المندوب السامي لبلاده على هذه الحكومة سيما وأنّه يقدم نفسه على أنّه شخصية محوريّة في صياغةِ السياساتِ التركيّة تجاه سوريا، وصاحب الكلمة العليا في كثيرٍ من الملفاتِ الحسّاسةِ التي تمسُّ مستقبلَ البلاد.
فيدان لديه تاريخ حافل في الهيمنة على قرارِ الأطراف السوريّة التي رهنت مصيرها لأنقرة، وهو يعمل على نسج خيوط السياسة الخارجيّة والأمنيّة بخليط من البراغماتيّة والحزم، وكما لعب دوراً بارزاً في إدارة الملفات الإقليميّة الحساسة، وعلى رأسها الملف السوريّ، منذ اندلاع الأزمة عام 2011.
وبعد سقوط النظام، ازداد حضوره المباشر في رسم تفاصيل المشهد السوريّ، خاصة في مناطق سيطرة الحكومة الانتقاليّة والمجموعات المرتزقة المدعومة من أنقرة ولديه شبكة واسعة من العلاقات مع قيادات المجموعات، ورجال الإدارة المحليّة، ومسؤولي الحكومة الانتقاليّة ولا يمكن لأيّ مشروع استراتيجيّ أو تكتيكيّ أن يمرّ دون موافقة فيدان أو فريقه، سواء كان مشروعاً خدميّاً أو قراراً سياسيّاً.
ويرى سوريون، أن هذا النفوذ تجاوز حدودَ الدعم إلى ممارسةِ وصايةٍ مباشرةٍ على القرار السوريّ الانتقاليّ، ما يقلّص هامش استقلاليّة الحكومة الانتقاليّة ويجعلها رهينة للأجندةِ التركيّةِ في المنطقة. فيما شبّه البعض الآخر المشهدَ بمرحلةِ الانتداب، حين كان للمندوبِ السامي سلطة تقريريّة على تفاصيل الحياة السياسيّة.
آخر هذه الأدلة الدامغة على تغول فيدان في القرار السياسيّ السوريّ هي زيارته إلى دمشق عشية كونفرانس “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، حيث برزت جملة من المؤشرات السياسيّة والأمنيّة التي تكشف عن تحرك تركيّ منسق لإعادة ضبط مسار الأحداث في سوريا بما يخدم مصالح أنقرة، ويعرقل أيّ مسعى وطنيّ جامع قد يغيّر موازين القوى باتجاه الآمن والاستقرار.
كما يندرج حراك فيدان في سياق الصراع المخفي إلى العلن بين تركيا ومصالح أمريكا وفرنسا في سوريا، فالرسائل الوطنيّة القوية التي خرجت من الكونفرانس؛ أغضبت الدوائر التركيّة، وحلفاءها المحليين الذين حاولوا أن يحرفوا بوصلة المساعي الوطنيّة، إلا أنّهم باءت جهودهم بالفشل، وأثبتت المبادئ الوطنيّة التي خرج بها الكونفرانس زيفَ ادعائهم.
زيارة فيدان العاجلة تمخض عنها التهديد المباشر بإلغاء اللقاء الحواريّ في باريس، فقد أرادت تركيا أن تقطعَ الطريق أمام أيّ تفاهماتٍ محتملة بين الحكومة الانتقاليّة السوريّة والهيئة المنبثقة عن شعوب شمال وشرق سوريا، وكان من المفترض أن تمثل هذه الحوارات خطوةً نحو حلٍّ سياسيّ شاملٍ، فيما تبقى حوارات قسد كقوةٍ عسكريّةٍ على مستويات أخرى لكن ضمن إطار اتفاق العاشر من آذار.
سعت أنقرة من خلال التلويح بالانسحاب من لقاء باريس المزمع إلى إعادة خلط الأوراق وإفراغ المسار من محتواه وإبقاء زمام المبادرة بيدها، كي يتم التحايل على مطلب النظام اللامركزيّ السياسيّ، وهو ما يفسر جزءاً من دوافع النقطة الثانية، فتركيا لا ترى في اللامركزيّة السياسيّة إلا تهديداً مباشراً لمصالحها، ولكيانها الجيوسياسيّ الداخليّ لذلك لجأت إلى طرح بديل شكلي هو “النظام اللامركزيّ الإداريّ”.
وهو الأسلوب نفسه الذي مارسه النظام البعثيّ لعقودٍ عبر وزارة الإدارة المحليّة، التي كانت في حقيقتها بلا سلطة أمام الأجهزة الأمنيّة، واليوم يُعاد إنتاج هذه الخدعة عبر الإعلام الرسميّ وشبه الرسميّ والأصوات الغارقة في الحقد والكراهية ضد الشعوب السورية، بهدف احتواء مطالب الشعوب السوريّة وتفريغها من جوهرها السياسيّ.
هكذا تتضح خيوط المشهد كتحرك متكامل، حيث يخدم التصعيد الإعلاميّ غاية الضغط السياسيّ وتبرر المناورات التفاوضيّة ويمهد للترهيب الميدانيّ في إطار سياسة تركيّة لا تستهدف فقط تقويض الحراك السياسيّ الداخليّ، بل أيَّ أفق وطنيّ جامع يمكن أن يفتح الباب أمام نظام لا مركزيّ يحفظ وحدة سوريا ويصون تنوعها.
فيدان ومن خلفه نظام دولة الاحتلال التركيّ لا يريدون حواراً سورياً حقيقيّاً، بل يريدون مفاوضات شكليّة بين من ترضاهم، حتى تضمن أنّ نتائجها لن تتعارض مع استراتيجيتها وهذه السياسة تترك آثاراً عميقة على المشهد السوريّ؛ ما يعزز استمرار الانقسام الجغرافيّ والسياسيّ ويعمّق من الانقسام المجتمعيّ وزيادة الشكوك بين الشعوب إلى جانب إطالة أمد المرحلة الانتقاليّة وغياب رؤية موحدة لبناء البلاد.
ضغطٌ دوليّ وخيارات ضيقة
بعد سقوط النظام السوريّ دخلت البلاد مرحلة سياسيّة فارقة وسط انقسامات عميقة بين المكونات السياسيّة والعرقيّة والطائفية، التي قادت لارتكاب انتهاكات ومجازر خصوصاً تلك التي حصلت في السويداء والساحل السوريّ لتفقد الحكومة الانتقاليّة كل تلك الهالة التي حظيت بها من الاحتواء الدوليّ بعد سقوط النظام. حيث قادت تلك التطورات إلى عقد جلسة استثنائية لمجلس الأمن الدوليّ خرجت الدول الأعضاء ببيان مشترك يدعو إلى بناء سوريا متعددة، قائمة على الاعتراف بالتنوع القوميّ والثقافيّ والدينيّ، وضمان تمثيل جميع الشعوب في مؤسسات الدولة باعتبار ذلك أساساً لاستقرار البلاد ومنع تكرار أزمات الماضي.
فمنذ اندلاع الأزمة السوريّة عام 2011، كانت مسألة إدارة التنوع إحدى القضايا الجوهريّة في النقاشات الدوليّة، فالنظام السابق رسّخ مركزيّة السلطة وهيمنة فئة واحدة على مفاصل الدولة، وهو ما ساهم في تفجر الصراع ومع سقوط النظام باتت الحاجة إلى عقدٍ اجتماعيّ جديد أمراً ملحاً.
هذا ما دفع مجلس الأمن لتبني خطابٍ واضحٍ يدعو إلى توزيعِ السلطةِ بشكلٍ عادلٍ بين المركز والأقاليم وحماية حقوق الشعوب القوميّة مثل الكرد، الآشوريين، والتركمان والعلويين والدروز، ضمان الحريات الدينيّةِ والسياسيّةِ والوصول إلى دستور توافقيّ ينصُّ على المساواة بين جميع المواطنين ويضمن الاعتراف بحقوقِ كلِّ الشعوب.
تمثل دعوة مجلس الأمن لبناء سوريا متعددة فرصةً تاريخيّة لتجاوز نموذج الدولة المركزيّة الأحادية الذي فشل في إدارة التنوع وأدى إلى الانفجار، لكن نجاح هذا المشروع مرهون بمدى استعداد القوى السوريّة للتخلّي عن عقليّة الإقصاء وبقدرة المجتمع الدوليّ على لعب دور الضامن دون فرض وصاية سياسيّة.
ومع كلّ هذه المعطيات يرى مراقبون أنّ اللامركزيّة هي المخرج الوحيد في ظل الظروف الراهنة، حيث أنّه العديد من الدول أثبتت نجاح هذه الفكرة في تحقيق الاستقرار السياسيّ والاجتماعي عندما تتمتع المناطق بحكم ذاتي يمكن تحقيق توازن بين المركز والأطراف، ما يقلل من حدّةِ التوترات ويعزز اللحمة الوطنيّة.
وفي سوريا يمكن للامركزيّة أن تسهمَ في تحسين الوضع الأمنيّ عبر تمكين المناطق من إدارة شؤونها الداخليّة بشكل أكثر فعالية، خصوصا في المناطق التي تعاني من تدهور أمنيّ بسبب انتشار خلايا للمرتزقة والإرهابيين كما أنّ اللامركزيّة قد تساهم في إعادةِ تأهيل المجتمع السوريّ من خلال تعزيز المشاركة المحليّة في صنع القرار، ما يعزز الثقة المتبادلة بين الحكومة والمواطنين.
اللامركزيّة ليست مجرد فكرة إداريّة تحاول الحكومة الانتقاليّة والاحتلال التركيّ تصويرها بل هي رؤية شاملة لإدارة التنوع والتحديات التي تواجه أيّ مجتمع يعاني من الانقسام والصراع كما أظهرت التجارب العالميّة؛ فإن اللامركزيّة يمكن أن تكون مفتاحا للسلام الداخليّ والاستقرار وعلى السوريين أن يتبنوا هذا الخيار كحل طويل الأمد يعزز وحدتهم الوطنيّة ويسهم في قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبليّة.
No Result
View All Result