No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ في صباحٍ لاهب من صيف 2025، يقف المزارع “حمادي الفاضل” في أرضه القريبة من الشدادي جنوبي مدينة الحسكة، يراقب أرضه التي شققتها حرارة الشمس التي لامست عتبة الـ 50 درجةً مئوية.
قبل سنوات، كانت عيدان القطن تلمع خضراء في هذا الوقت من السنة، لكن اليوم، لا شيء سوى أرضاً قاحلة تركت الشمس الحارقة آثاراً عليها على شكل أخاديد صغيرة. يقول “حمادي الفاضل” بصوتٍ مثقل: “الأرض تتشقق من العطش، والسماء تركتنا لوحدنا الموسم الفائت… حتى البئر الذي حفرناه قبل عدة أعوام جفت مياهه بشكلٍ نهائي، على الرغم إنها كانت أملح من دموعنا”.
عقد من التحولات المناخية
قصة “حمادي الفاضل” ليست حالة فردية؛ إنها جزء من مشهد أكبر تشهده مناطق إقليم شمال وشرق سوريا منذ أكثر من عقد. الحرارة ترتفع عاماً بعد عام، الأمطار تتراجع، والجفاف صار ضيفاً ثقيلاً يزور المزارعين والرعاة بشكلٍ متكرر. بيانات منظمات دولية ودراسات علمية تؤكد أن ما يحدث ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة للتغير المناخي العالمي، الذي جعل موجات الجفاف أكثر حدة وتكراراً.
المياه… ثروة تتلاشى
في القرى المحيطة بنهر الخابور، يروي المزارعون إن منابع الرافدين جفّت، وإن الأراضي التي كانت تُروى طوال العام تحولت إلى أراضٍ بعلية أو تُركت بوراً. مسح ميداني أظهر أن 82% من المزارعين لاحظوا انخفاضاً كبيراً في منسوب المياه الجوفية، فيما تدهورت جودتها لدى 28% منهم. البعض اضطر لحفر آبار جديدة بكلفة تفوق قدرتهم، بينما باع آخرون مواشيهم لتغطية مصاريف الري.
الزراعة في مواجهة المجهول
في قرية الرشيدية جنوب الحسكة، خسرت عائلة “طلال الحسين” أكثر من نصف محصول القمح خلال الموسم الشتوي الفائت. الشتاء كان شحيح الأمطار، ما أدى إلى فشل واسع للمحاصيل في عدة مناطق. تقارير زراعية تحذر من أن استمرار هذه الظروف قد يهدد الأمن الغذائي لملايين السكان، خاصةً وأن بعض القرى سجلت خسائر محصولية بلغت 75%، متسببة في تراجع دخل أكثر من 200 ألف أسرة.
المراعي الجافة وقطعان الماشية
لم يسلم الرعاة من هذه الأزمة، “حسين المصطفى”، وهو راعي أغنام في ريف الشدادي الشرقي يقول إن القطيع الذي ورثة عن والده تقلص من 200 رأس في العام 2019 إلى أقل من 20 رأساً خلال ست سنوات. المراعي جفت، والأعلاف المستوردة صارت مكلفة، ما اضطره لبيع قسم كبير من أغنامه بأسعارٍ زهيدة. في بعض المناطق، انخفض إنتاج الأعلاف بنسبة 90%، ما ضاعف معاناة المربين.
ارتفاع الحرارة يزيد تبخر المياه، وتراجع الأمطار يقلل من تغذية الطبقات الجوفية، بينما تضيف الأزمات البشرية، من ضعف البنية التحتية إلى النزاعات على الموارد المائية، عبئاً إضافياً، حتى الأنهار العابرة للحدود تأثرت بتغيّر السياسات المائية، ما قلل من تدفقها نحو الأراضي السورية.
ماذا بعد؟
قصص الحمادي وطلال والحسين ليست سوى ملامح من لوحة أكبر، رسمتها الطبيعة بفرشاة الجفاف. الخبراء يؤكدون إن مواجهة الأزمة تحتاج إلى حلولٍ عاجلة: إدارة رشيدة للمياه، اعتماد تقنيات ري حديثة، زراعة محاصيل مقاومة للجفاف، وتعاون إقليمي لإدارة الأنهار.
لكن حتى ذلك الحين، سيظل المزارعون والرعاة في إقليم شمال وشرق سوريا يترقبون السماء كل شتاء، على أمل أن تعود الغيوم، وأن تستعيد الأرض خضرتها، قبل أن تتحول الحقول إلى ذكرى، والمراعي إلى قصص تُروى للأجيال.
No Result
View All Result