No Result
View All Result
روناهي/ تل حميس – فرن التنور، إرثٌ يعيدنا إلى زمن الريف الجميل، حيث عبق الطين، ودفء الأجواء، ونكهة الخبز وحكايات الجدّات من حولها، يحمل ذاكرة الماضي وأصالة التراث في الريف. ليس وسيلة لإعداد الخبز، بل انعكاس البساطة والجمال في تفاصيله.
ففي القرى والأرياف، التنور جزء لا يتجزأ من حياة السكان، حيث يجسد ارتباطهم بالأرض، واحتفاظهم بعادات أجدادهم. هذا الفرن التقليدي المصنوع يدوياً من مواد طبيعية، الطين والقش والملح، يمثل تحفة فنية تعكس مهارة الأيادي المبدعة التي تصنعه.
فالتنور ليس مجرد أداة، بل ذاكرة حية تعيدنا إلى زمنٍ كانت فيه الحياة أكثر دفئاً، حيث كانت رائحة الخبز الطازج تمتزج مع أصوات الطبيعة، وحيث كان العمل حول التنور يجمع أفراد العائلة في أجواء من المحبة والود.
صناعة التنور
فرن التنور يتميز بكونه منتجاً طبيعياً بالكامل، يعتمد على مواد بسيطة متوفرة في البيئة الريفية، عملية صناعته تستند إلى خبرة متوارثة بين الأجيال، حيث يتقن الحرفيون تشكيله يدوياً باستخدام الطين، وهو المادة الأساسية التي تمنحه شكله المميز.
وفي زيارة صحيفتنا إلى قرية “الوردية “وهي أحد قرى الريف الجنوبي لمدينة تل حميس، التقت المواطنة “هيفاء الحسن ” والتي حدثتنا عن كيفية صناعة فرن التنور: “يخلط الطين مع الماء، ليصبح عجينة مرنة يمكن تشكيلها بسهولة، فيُضاف القش أو التبن إلى الطين أثناء التحضير، وهو عنصر أساسي يمنح جسم التنور تماسكاً وثباتاً، ويساعد في منع التشققات أثناء عملية التجفيف أو الاستخدام، كما يُضاف الملح إلى الخليط، ليزيد من صلابة التنور ويجعله أكثر تحملاً للحرارة العالية التي يتعرض لها أثناء إشعال النار فيه”.
وعن طريقة تشكيله، بينت هيفاء أنّ هناك عدة خطوات أساسية، والتي تكون بدايةً بتحضير المواد، حيث يتم جمع الطين، والقش، والملح، وخلطها مع الماء للحصول على عجينة متماسكة، من ثم يبدأ تشكيل التنور، حيث تبدأ الحرفيات بتشكيل العجينة على شكل أسطوانة مجوفة، مع فتحات صغيرة في الأسفل تسمح بدخول الهواء أثناء الاشتعال، من ثم الجفاف والتقوية، حيث يُترك التنور ليجف لمدة تتراوح بين عدة أيام إلى أسبوعين تحت أشعة الشمس، فبعد الجفاف، يتم إشعال النار داخله لتقويته وزيادة صلابته، وأخيراً بعد اكتمال صناعته، يصبح التنور جاهزاً للاستخدام، فيتم إشعاله باستخدام الحطب أو بقايا الحيوانات القابلة للاشتعال، وهي مواد طبيعية متوفرة في الريف.
جزء من حياة الريف اليومية وثقافتها
تقول هيفاء: “في المجتمعات الريفية، لا يُعد التنور أداة للطهو، بل هو جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، مشهد النساء وهنّ يخبزن الخبز حول التنور يجسد روح التعاون والدفء الأسري”.
وأضافت: “خبز التنور نفسه له طابع خاص، إذ يتميز بنكهة فريدة وقوام مميز يجعله مختلفاً عن أي نوع آخر من الخبز، علاوة على ذلك، يشكل التنور عنصراً جمالياً في البيوت الريفية، حيث يُضيف إلى الفناء لمسة من الأصالة والبساطة. إنه ليس مكاناً لصنع الخبز، بل مساحة تجمع الأسرة والجيران في أجواء من المحبة والتواصل“.
وأكدت أنّ التنور يمثل جزءاً من الهوية الثقافية للريف: “إنّه شاهد على حكايات الأمهات والجدات، وأداة أساسية في الحياة اليومية التي تحمل في طياتها الكثير من الذكريات، فاستخدام التنور يعكس أسلوب حياة بسيطًة، حيث الاعتماد على الطبيعة والمواد المتوفرة محلياً”.
ففي الختام ترى “هيفاء الحسن”، بأنّ فرن التنور ليس مجرد أداة طهو، بل هو إرثٌ ثقافي يعكس جمال الريف وروح البساطة التي يتميز بها، من الطين والقش والملح تُصنع هذه التحفة اليدوية التي تحمل في تفاصيلها حكايات الأجداد وأصالة الموروث.
فالتنور هو رمزٌ للدفء الاجتماعي والتلاحم الأسري، وهو جزء من ذاكرة الريف الجميل الذي يذكرنا بحياة كانت مليئة بالبساطة والجمال. وبينما تزداد الحياة تعقيداً، يبقى التنور شاهداً حياً على ارتباط الإنسان بجذوره، وعلى أهمية الحفاظ على هذا التراث العريق الذي يعيدنا دائماً إلى أحضان الطبيعة وأجواء الريف الساحرة.
No Result
View All Result