No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – في أحد أزقة سوق مدينة قامشلو، يواصل الخياط الأرمني “جيراغورس كيدورز”، حياكة عمره بخيوط الصبر والحب في دكانه الصغير، منذ أكثر من خمسين عاماً، حيث لا يزال صدى الماكينة يعيد قصص الزمن.
ليت الزمن يُقاس بصوت ماكينة، لا بالعقارب… فهناك في ركن هادئ من مدينة قامشلو، ما تزال خيوط العمر تُنسج بصمت، على يد خياط لم يفقد مهنته رغم عبء السنوات.
ماكينة عمرها نصف قرن
ولد “جيراغورس كيدورز” عام 1960 في مدينة قامشلو، لم يكن يحب الدراسة، أو ربما لم يجد فيها نفسه منذ البداية، فلم يتعدّ الصفوف الابتدائية، إذ قال خلال حديثه مع صحيفتنا “روناهي”: “لم أستطع الدراسة، ولم أكمل سوى المرحلة الابتدائية، فحتى في طفولتي كنت أميل إلى الخياطة، وأحببتها كثيراً”.
وفي سن الرابعة عشرة، اتخذ مسار حياته بيديه، حيث تعلم الخياطة على يد أحد الخياطين الأرمن، ومنذ ذلك الحين، لم تفارق يده القماش والإبرة، لم تكن المهنة له مصدر رزق، بل كانت ملاذاً، وحباً عميقاً، وشكلاً من أشكال التعبير عن الذات.
وداخل دكانه المتواضع بسوق قامشلو، ما تزال ماكينة الخياطة القديمة ترافق دربه، فتلك الماكينة، التي تجاوز عمرها خمسين عاماً، ما زالت تعمل بصمت، تماماً كصاحبها، صوتها بالكاد يُسمع، لكنها حاضرة، تماماً كيد صاحبها، التي لا تزال تنسج وتحوك رغم تقدم العمر: “الخياطة ليست فقط مهنة، بل هي حياتي كلها، هي الشيء الذي كنت أهرب إليه منذ الصغر، ووجدت فيه راحتي،” قالها، وهو يرفع نظره من قطعة قماش بدأ بخياطتها، وكأنه يحدّق في الزمن ذاته.
وبين، أن في بداياته، كان يخيط ملابس الرجال فقط، حيث كانت تلك المهارة التي تعلمها وتخصص فيها، لكن مع مرور الوقت، وتغير الطلبات من الزبائن، بدأ يطوّر نفسه بنفسه، وأضاف إلى مهاراته فن خياطة ملابس النساء: “كل مرحلة من مراحل حياتي كانت تتطلب مني أن أتعلم شيئاً جديداً، لم أكن أملك الوقت أو الإمكانات للذهاب إلى دورات تدريبية أو معاهد، كل ما تعلمته، تعلمته من عملي ومن زبائني ومن أخطائي”.
وعلى الرغم من سنوات العمل الطويلة، لا يزال كيدروز يتمتع بدقة لافتة في قص القماش وخياطة التفاصيل الصغيرة، الحرفة التي أتقنها باتت تنطق بلغة الزمن، تحكي عن عقود من التفاني والعمل الصامت، عن رجل لم يتوقف يوماً عن فعل ما يحب.
لكن، وكما هو حال كل قصة نضال، لم تكن حياة كيدروز مفروشة بالورود، ففي السنوات الأخيرة بدأ يعاني من مشاكل صحية أثرت على قدراته الجسدية، ومع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، تزداد معاناته، خاصة في دكان صغير بلا تبريد: “هناك فرق كبير بين الآن والماضي من حيث العمل، فانخفض عبء العمل لدي بسبب مرضي، وحالياً، بسبب ارتفاع درجة الحرارة، أواجه بعض الصعوبات بسبب حالتي الصحية”.
ومع هذه التحديات، لم يتوقف عن العمل، بل لا يزال يفتح دكانه يومياً، يستقبل الزبائن بابتسامته المعتادة، ويحوك لهم ما يطلبونه، بالإتقان الذي اعتادوه منذ سنوات طويلة.
خيط من الذاكرة
وفي زمن أصبحت فيه المهن اليدوية تتراجع أمام زحف التكنولوجيا والموضة السريعة، يبدو كيدروز كأنه من زمن آخر، رجل حافظ على مهنته بكل ما فيها من تفاصيل وأسرار، ونقلها من جيل إلى جيل، حتى دون أن يقصد.
“جيراغورس كيدورز” ليس خياطاً فحسب، بل ذاكرة حيّة لمدينة قامشلو، وقطعة من نسيجها الاجتماعي المتنوع، الأرمني – السوري، الذي صاغته المحبة والتعايش، في دكانه الصغير، لا يزال الزمن يعيد نفسه بهدوء، بخيط رمادي من الحكمة، وإبرة صُنعت من الصبر.
وبينما تتسارع الحياة في الخارج، يبقى جيراغورس كيدورز كأنما يقول لنا: “إن الحب لما نفعله هو أعظم ما نملكه، وإن اليد التي تخيط حتى وإن ضعفت، لا تتوقف مادام القلب ينبض بالحب والحياة”.
No Result
View All Result