No Result
View All Result
حسين عثمان
يشهد الشرق الأوسط تحولات وصراعات متسارعة، حيث بات خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي من أبرز التحديات التي تهدد النسيج المجتمعي والسلم الأهلي والديمقراطية الناشئة في كثير من الدول، إذ يُستَغل الإعلام ـ التقليدي والرقمي ـ لنشر أفكار غالباً ما تؤجج النزاعات، وتعمّق الانقسامات، وتشوه الحقائق لخدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية على حساب الحقيقة والمصلحة العامة لمجتمعات تلك الدول.
خطاب الكراهية وتأثيره المجتمعي
خطاب الكراهية هو أي تعبير أو سلوك فردي أو جماعي ينطوي على تحريض أو ازدراء أو تمييز تجاه أفراد أو جماعات بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو اللغة أو المعتقد والانتماء السياسي أو القبلي والعشائري، هذا الخطاب لا يُهدد فقط الأفراد المستهدفين، بل يقوض مبادئ التعايش والاحترام المتبادل بين الشعوب، ويخلق بيئة خصبة للعنف والانقسام والتوتر، وحصلت حروب ومجازر في كثير من الدول منها العراق وسوريا ومصر واليمن والسودان وليبيا ودول أخرى.
ففي المجتمعات المتعددة والمختلفة في الدين والقومية واللغة، يكون لهذا الخطاب آثار كارثية، إذ يُسهم في خلق فجوات بين الشعوب المتعددة في المجتمع ويمنع الوصول إلى حلولٍ عبر استخدام بعض المفردات والمصطلحات الطائفية والمذهبية، واتباع أسلوب التشهير والتهديد واستخدام فيديوهات ومنشورات تحريضية وغالباً ما تبعد المشهد في المجتمعات عن حلول عادلة وسلمية للخلافات، ما يفتح المجال للجرائم والإبادة والتعصب والإنكار وخصوصاً في ظل الهيمنة من الأنظمة المركزية أو الأسر والعوائل الملكية.
التضليل الإعلامي كأداة للسيطرة والتفرقة
التضليل الإعلامي لا يقل خطرًا عن خطاب الكراهية، بل في كثير من الأحيان يكون الأداة الرئيسية والذراع الذي يقوي خطاب الكراهية في النسيج المجتمعي عن طريق المواد والتقارير والمنشورات والفيديوهات الإعلامية المضللة، حيث يتم نشر معلومات كاذبة أو محرفة أو مجتزأة أو فيديوهات وصور مفبركة حصلت في زمان ومكان خلاف المقصود والواقع والحقيقة، بهدف توجيه الرأي العام في اتجاه معين مرسوم له، أو خلق عدو وهمي، أو تبرير العنف والإقصاء، وهذا ما يساهم في زعزعة الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويحول المواطن من فاعل وواعٍ إلى تابع ومُضلل ومنتظر لما هو مراع لعواطفه التي ابتزتها تلك المنشورات والفيديوهات المفبركة.
مواجهة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي
لمواجهة هذه الظواهر المدمرة في المجتمعات، لا بد من تبنّي استراتيجية شاملة تتضمن جوانب مهمة ومرتبطة باحتياجات المجتمع صغيراً وكبيراً رجلاً وامرأة ومنها:
– التربية والتعليم على القيم الإنسانية والأخلاقية و ترسيخ مبادئ التسامح، والمواطنة، واحترام التعددية منذ المراحل التعليمية الأولى، وتعليم التفكير النقدي والإعلامي بما يتماشى مع ثقافة تقبل المختلفات والاستفادة من التنوع بالطرق الإيجابية التي تعبر عن التماسك والسلام والابتعاد عن المصطلحات والمفردات المذهبية والألقاب التي باتت من عصور وأزمان لا يمكن أن تقدم لنا سوى الحقد والكراهية وتؤجج العنف، والتخاطب بمفردات السلام والإخاء وما تحمله من احترام وقيم أخلاقية وإنسانية.
– تشجيع الإعلام المسؤول أو الرسمي ودعم المنصات الإعلامية المهنية التي تلتزم بالدقة والحياد، وتوفير بيئة قانونية تحمي حرية الصحافة وتحاسب في الوقت نفسه وسائل التضليل ومن الممكن أن تكون هذه المحاسبة من منصات وسائل التواصل نفسها أو المؤسسات الإعلامية أو النقابات المهنية التي ترتبط بالصحافة والإعلام.
– المساءلة القانونية وسن قوانين واضحة تجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف دون المساس بحرية الرأي والتعبير، وتطبيقها بعدالة وشفافية أي وضع النقاط على الحروف وفق مواثيق قانونية واضحة تشرف عليها نقابات إعلامية أو اتحاد للصحافة والإعلام ويكون مصان ومحصن من خلال الدستور.
– تمكين المجتمع المدني و دعم المنظمات والناشطين الذين يعملون على رصد خطاب الكراهية، وتقديم التوعية المجتمعية، والمشاركة في مبادرات بناء السلام من خلال الندوات والمحاضرات التوعوية التي تفتح المجال للمجتمع في أخذ التدابير الاحترازية لمواجهة المنشورات التي تؤجج الرأي العام وتسبب الحقد والكراهية بين الشعوب وكشف أهداف تلك الخطابات ونوايا مروجيها بطريقة توعية مقبولة من كل الأطراف وعبر استخدام الألفاظ المستحسنة من قبل جميع أفراد المجتمع.
– دور التكنولوجيا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المتطرف والمضلل على وسائل التواصل الافتراضي، وضمان التوازن بين حرية التعبير ومكافحة الكراهية، سيما بأن الانتشار الواسع لبرامج التواصل وغيرها أصبح في متناول أيدي الأطفال وهذا يشكّل عائقاً كبيراً أمام تحصين المجتمع من تلك المنشورات، وهذا يتطلب مساهمة الأسرة في المنزل وخصوصاً الآباء والأمهات وفي المدرسة المعلمين والمعلمات عليهم يقع عاتق كبير في مواجهة هذه الخطابات عن طريق الأداء التوجيهي المبني على ثقافة السلام واختيار ما هو بعيد عن العنف والترهيب.
– الدعوة لاستخدام لغة الحوار وتقبّل رأي الآخر، فمن خلال الحوار يمكن تقريب وجهات النظر وتذليل الصعوبات التي تعرقل التوافقات عبر الشفافية والموضوعية والمتابعة بصدق وواقعية لأنها الطريق الأمثل لقطيع الطريق أمام من يحاول استخدام لغة التخوين وخطاب الكراهية بين شعوب المجتمع.
المجتمع الأخلاقي الديمقراطي وتحقيق السلام
لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي أخلاقي ما لم تُواجَه جذور الكراهية والتضليل وأسبابها والديمقراطية لا تقتصر على الانتخابات، بل تعني ثقافة قائمة على احترام الإنسان، والتنوع، والعدالة، والمشاركة والسلام لا يأتي بفرض الواقع، بل بإزالة الظلم، وبناء الثقة، وخلق إعلام حر، نزيه، وشامل يشارك فيه الجميع وإن المواجهة الحقيقية تبدأ من وعي الفرد، وتتسع لتشمل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والدولة. والمطالبة بالمشاركة الحقيقية في صنع القرار، فبقدر ما يكون الوعي الجمعي حيًا، تكون مناعة المجتمع أقوى في وجه كل خطاب ظلامي أو إعلام مضلل، الذات الإنسانية هي القلب الذي ينبض بالسلام انطلاقاً من الإنسان نفسه وصولاً إلى القرار.
No Result
View All Result