زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
في زمنٍ تتداخل فيه الأديان، وتتشابك الأعراق، وتتعدد الثقافات، يبرز السلام حاجة ملحة وضرورة لا غنى عنها. ليس السلام ترفاً فكرياً، ولا دعوةً نخبوية، بل هو جوهر الإنسانية، وأساس التعايش، وفريضةٌ شرعيةٌ يحث عليها الإسلام في نصوصه وتعاليمه، إنه تحية المؤمنين، وشعار الرحمة، ومبدأ ينير دروب البشرية نحو العدل والأمان.
الإسلام، منذ فجر دعوته، حمل راية السلام كرسالةٍ عالميةٍ لا تقتصر على حدود الدين أو الجغرافيا. فقد كرّم الله الإنسان لذاته، بغض النظر عن دينه أو عرقه، فقال سبحانه:﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، معلناً أن الكرامة الإنسانية حقٌ لكل نفسٍ تحيا على هذه الأرض. وفي القرآن دعوةٌ صريحةٌ إلى السلم، ليس كمجرد غيابٍ للحرب، بل كحضورٍ للعدل، وانطفاءٍ للحقد، وبناءٍ لعلاقاتٍ قوامها الرحمة والاحترام. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، فجعل السلم منهجاً شاملاً يحكم النفس، والأسرة، والمجتمع، حتى مع المخالف في العقيدة أو الفكر.
في سيرة النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم نجد النموذج الأسمى للتعايش. في المدينة المنورة، عاش النبي في مجتمعٍ متعددٍ ضم المسلمين واليهود والمنافقين وغيرهم، فأسس دولةً تحفظ الحقوق، وتصون الدماء، وتعزز الاتفاق على الخير. وفي موقفٍ بليغ، قام النبي احتراماً لجنازة يهودي، وقال: “أليست نفساً؟”، معلناً أن الكرامة الإنسانية لا تُقسم بالدين أو الهوية، بل هي حقٌ لكل إنسانٍ يشاركنا الحياة.
والسلام في الإسلام ليس مجرد كفٍّ عن الأذى، بل هو صناعة طمأنينةٍ في القلوب، وزرع أمانٍ في النفوس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فجعل السلام معياراً للإيمان الحقيقي، وميزاناً للتعامل مع الآخرين، وما أحوجنا اليوم إلى هذا المعنى في عالمٍ تتجاور فيه المساجد والكنائس، وتتعدد فيه الألسن والانتماءات. إن التعايش لا يعني التخلي عن الدين أو الذوبان في الآخر، بل هو الثبات على الحق مع احترام المخالف، والدعوة بالحكمة لا بالتهجم، وبالقدوة لا بالعدوان.
إن خطاب الإسلام يدعو إلى قولٍ حسنٍ للناس جميعاً، كما قال تعالى:﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾، ويحث على البر والقسط حتى مع من لا يشاركنا الدين، كما في قوله:﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. هذا هو الإسلام: دعوةٌ إلى الخير، ومنهجٌ للرحمة، وسبيلٌ للسلام.
وفي عالمٍ تعصف به الفتن، وتمزقه دعوات التفرقة، يصبح السلم المجتمعي أمانةً في أعناقنا. إن كلمةً طيبةً قد تجمع القلوب، وتصرفاً متسامحاً قد يطفئ فتنةً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق”. فإذا كانت الابتسامة معروفاً، فكيف بالإحسان إلى الآخر، والعدل معه، والصبر عليه؟
فلنكن رسل سلامٍ في بيوتنا، وشوارعنا، ومجالسنا، وحتى في كلماتنا على الشبكات الاجتماعية. لنزرع في أبنائنا احترام الآخر كما نزرع فيهم حب الصلاة والصيام. ولنحذر من أن نكون وقوداً لفتنةٍ بالقول أو الفعل أو الصمت. إن السلام في الإسلام ليس مجرد شعار، بل هو فريضةٌ شرعية، ومصلحةٌ إنسانية، وأمانةٌ نتحملها أمام الله والناس.
ونسأل الله أن يجعلنا من عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، وأن يصلح ذات بيننا، وينزع الغل من قلوبنا، ويجعل رحمته أوسع علينا من أحكامنا، ويوفقنا لأن نكون من أهل السلم والرحمة والبناء.