هيفيدار خالد
تتوالى زيارات الوفود التركية إلى العاصمة السورية دمشق، بعد سقوط النظام السوري السابق وحلول سلطة جديدة محلّه؛ الأمر الذي فتح المجال أمام العديد من النقاشات التي تمحورت جميعها حول أسباب الزيارات الكثيفة، وماذا تحمل الوفود التركية في حقائبها لسوريا وللشعب السوري؟ وما مضمون وفحوى اللقاءات التي تجري في دمشق مع الإدارة الحالية؟ وماذا تريد تركيا من سوريا؟ ومتى ستكفّ عن أذاها للسوريين، وترفع يدها عن الدولة السورية؟ الإجابة عن كل هذه التساؤلات تقودنا إلى القول إن كل السياسات التي تُدار من قبل تركيا إنما هي إجحاف بحق السوريين وانتهاك صارخ لحقوقهم.
تسعى الدولة التركية إلى بثّ الفوضى والفتنة بين صفوف السوريين على اختلاف انتماءاتهم، وخلق عراقيل أمام مساعي السوريين الوطنيين الذين يعملون جاهدين من أجل سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية تحمي حقوق جميع الشعوب السورية. هؤلاء يناضلون من أجل أن يقرر الشعب السوري مصيره بنفسه دون التعويل على القوى الخارجية أو الارتهان لها. وكما هو معروف، فإن الطريق إلى الأمام بيد السوريين، ويمكن حل الخلافات بالحوار لا بسفك الدماء وارتكاب المجازر وجرائم الحرب بحق الأبرياء، كما حصل في السويداء وريف دمشق والساحل السوري.
سوريا تستحق الاستقرار، والسوريون يستحقون السلام والأمان المطلق. وعلى جميع الأطراف السورية عقد لقاءات مثمرة بشكل مستمر دون اللجوء إلى تركيا أو السعي وراء مخططاتها العدائية للسوريين، والتي تحاول من خلالها فرض ذاتها والتحكم بالقرار السوري في كل ما يخص مصير الشعوب الأصيلة في البلاد. اللقاءات والحوارات والمؤتمرات التي تضم جميع المشاركين من شأنها أن تساهم في بناء سوريا الجديدة التي يرغب بها الجميع في وقتنا الحالي.
على كل سوري يؤمن بالحرية والحياة الحرة وسوريا ديمقراطية ودستور ديمقراطي، أن يؤكد دوماً على أهمية الديمقراطية، وكذلك الدبلوماسية، فيما يتعلق بكيفية حل المشكلات التي يعيشها السوريون في الوقت الراهن، وضرورة العمل من أجل تحقيقها ووضع حدّ للأطماع التركية وتدخلاتها المباشرة في الشؤون السورية بشكل متواصل، دون أي رادع حقيقي يُذكر، وكل المساعي التي تسير لصالح تركيا على حساب الشعب السوري.
على كل سوري أن يسأل ذاته: ماذا يحمل حقان فيدان في زيارته لنا في كل مرة؟ وماذا جلب من أنقرة لهم؟ لا حقان فيدان ولا أي مسؤول تركي آخر يستطيع إدارة سوريا بوجهة نظر تركية احتلالية استعمارية ذات أطماع على هذه الأرض. ولا الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والصفقات التجارية التي يبرمها من شأنها أن تداوي جراح السوريين، بل على العكس، لم تجلب لهم سوى الحروب المدمرة والكوارث الإنسانية، والسويداء مثال على ذلك، إذ تعيش اليوم مأساة حقيقية ولا يتحرك أحد لإنقاذها أو تقديم المساعدة لضحايا المجازر التي تعرضوا لها.
في سوريا متّسع للجميع إلا للدولة التركية. لذا؛ يجب أن ترفع يدها عن سوريا وتترك السوريين وشأنهم، فهم قادرون على الحفاظ على وحدة الأراضي والسيادة، وقادرون على قيادة البلاد إلى برّ الأمان.
وأخيراً، السؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى: عن ماذا يبحث حقان فيدان في سوريا؟ ولماذا يكثّف زياراته في هذه الفترة؟ كما يقول المثل الشعبي باللهجة العامية “العربية الدارجة”: “شو مضيّع تراجي أمه في سوريا؟” ليذهب ويطلق شعاراته الرنانة في أماكن أخرى، وليذهب وينقذ الشعوب في تركيا من الأزمات الاقتصادية والحالة الاجتماعية السيئة التي يعيشونها. سوريا ليست بحاجة لحقان فيدان ولا لأي مسؤول تركي آخر، بل هي بحاجة إلى حلّ سياسي جذري حقيقي يضم جميع أطياف الشعب السوري، ودستور ديمقراطي يحمي حقوق الجميع، ومجلس شعب يمثل الكل دون إقصاء أحد. وليكن مؤتمر الحسكة الذي انعقد قبل أيام في مدينة الحسكة بداية لمسار جديد في سوريا والمنطقة كافة.