No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ بين ألوان الخرز وخيوط الحرير، تنسج نساء قامشلو حكاياتهن على أنامل من صبر وحب، في محل صغير للأعمال اليدوية تتداخل الحرفة مع الحلم، والفن مع الرزق، ضمن مشروع نسائي أُسِّس بجهود ذاتية، تقوده نساء آمنّ بأن العمل اليدوي ليس مجرد مهنة، بل وسيلة لتمكين المرأة وفتح أبواب الكرامة أمامها.
في شوارع قامشلو، وأمام مشفى فرمان، يطل محل صغير تتزين واجهته بألوان الخرز وخيوط الحرير، وتتناثر داخله قطع فنية كأنها رسائل صغيرة من قلوب النساء إلى العالم، هنا، ليس الأمر مجرد تجارة أو بيع وشراء، بل حكاية طويلة تنسجها أيادٍ صبورة، وتطرّزها قصص حياة كاملة.
قصة حرفة
تجلس “مريم عثمان“، البالغة من العمر 37 عاماً، وسط الألوان كأنها جزء منها، ملامحها تشي بالتجارب، لكن عينيها تلمعان بحيوية، حيث قالت بابتسامة هادئة وهي تحوك خيطاً في قطعة قماش صغيرة: “أنا لم أكمل دراستي الجامعية لكنني درست الحياة، وأخذت منها ما يعلّمني كيف أبدع بيدي، وكيف أصنع من شيء صغير جمالاً كبيراً”.
منذ طفولتها، انجذبت مريم للرسم والأعمال اليدوية والديكور، ولم تكمل تعليمها المدرسي، لكنها اختارت أن تمضي في طريق آخر، طريق الفنون النسوية، كانت تلك بداية الرحلة التي أخذتها إلى معهد للأعمال اليدوية في دمشق، حيث درست هناك سنتين كاملتين.
وقالت: “في الشام، فتحت عينيَّ على عالم واسع، عالم الألوان، والخرز، والخيوط، وكل ما يمكن أن تصنعه يد الإنسان إذا أحب أن يعمل”.
وبعد عودتها إلى قامشلو، عملت مريم مدة عشر سنوات مدرسة لمادة الفنون، ثم قررت أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها، هذا وقد كانت إحدى زميلاتها من أيام المعهد، قد افتتحت محلاً للأعمال اليدوية، وشجعتها على الانضمام، وهكذا، ولدت فكرة أن تعمل مريم من منزلها في صناعة صائدات الأحلام، والتطريز، وأعمال الخرز، ثم تبيعها في هذا المحل.
لكن الحكاية لم تقف عند مريم، فالمحل الذي بدأ صغيراً، أصبح اليوم مركزاً يجمع نساء من خلفيات مختلفة، لكل واحدة منهن قصة، وهم، وحلم، حيث نوهت مريم: “نحن هنا لسنا مجرد بائعات بل أخوات، كل واحدة تدعم الأخرى، وكلنا نصنع الجمال لنعيشه معاً”.
وتأتي المواد الخام من إيران والعراق وتركيا، وأحياناً من دمشق والداخل السوري، لأن كثيراً منها غير متوفر في قامشلو، وهذه الصعوبات اللوجستية كانت دائماً جزءاً من التحدي، كما أوضحت مريم: “أحياناً نذهب إلى السوق بحثاً عن نوع معين من الخرز أو الخيط، فنجد أن الكمية انتهت، فننتظر أسابيع حتى تصل مواد جديدة لكن هذا لا يوقفنا، نحن نصنع حتى من النقص شيئاً جديدًا”.
فيما تبيع النساء ضمن المحل العديد من القطع التراثية المصنوعة خارجاً، فكما تصل المواد الخام إليهن تشارك نساء من خارج سوريا في صناعة حرف يدوية، فتجد قطعاً من إيران بأنامل نسوية، وأخرى من باكور كردستان.
على أنامل النساء… تولد الحكايات
وداخل المحل، تتوزع القطع بين البسيط والمعقد، بعضها يُنجز في ساعتين فقط، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى أسبوع كامل من العمل المتواصل، والأسعار تتراوح بين 25 و250 ألف ليرة سورية، وهي في متناول فئات مختلفة من الزبائن، من ربات البيوت وحتى الهواة الذين يبحثون عن لمسة جمالية لبيوتهم. لكن؛ ما يميز هذا المكان ليس الأسعار أو المنتجات فقط، بل رسالته، فالمحل أُنشئ بروح العمل الجماعي والدعم المتبادل مجموعة نساء يدرنه بشكل ذاتي، ويفتحن أبوابه لاحتضان نساء أخريات يرغبن في العمل اليدوي، حتى لو كن يعملن من بيوتهن.
وأشارت مريم: “أنا ضد أن تبقى المرأة محصورة في جدران بيتها فقط، فالعمل يجعلها فردا فاعلا في المجتمع، وشعورا بانتمائها لصنع غد أفضل بالعمل والإصرار”.
حين تتجول بين رفوف المحل، تشعر أنك تدخل معرضاً فنياً حياً، حيث كل قطعة تحمل بصمة شخصية وحكاية صغيرة، هناك صائدات الأحلام المزخرفة بالخرز الملون، وأغطية الطاولات المطرزة بدقة، وقطع ديكور تجمع بين التراث والحداثة، وكل قطعة هنا تحمل شيئاً من شخصية صانعتها، وربما من همومها وأفراحها أيضاً.
أما الزبائن الذين يقصدون المحل، لا يبحثون فقط عن قطعة جميلة، بل عن قصة، كثيرون يشترون الهدايا لأحبائهم من هنا، لأنهم يعرفون أن كل هدية تحمل جزءاً من روح صانعتها فكما همست مريم مشيرةً إلى الحرف اليدوية: “القطعة اليدوية ليست شيئاً تضعه في البيت إنها قلب امرأة وضعته بين يديك إذ تذكر المتلقي في زمن جميل وتعب ساعات من الجهد”.
وعلى الرغم من الصعوبات بسبب نقص المواد الخام، وارتفاع الأسعار أحياناً، وضيق السوق المحلي، فإن هذا المشروع مستمر بفضل الإصرار، فكل امرأة تعمل في هذا المكان تعرف أن عملها ليس رفاهية، بل مصدر رزق لها ولأسرتها.
ومع مرور الوقت، أصبح المحل ليس فقط مكاناً للبيع والشراء، بل مساحة لقاء، وتبادل خبرات، ودعم نفسي ومعنوي بين النساء، كثيرات بدأن بلا خبرة أو أدوات، ويعلمن هنا كيف يصنعن شيئاً بأيديهن.
وعند الحديث عن حلم مريم عثمان؛ حدثتنا وعينيها تلمعان كخيوط حرير تحت ضوء الشمس: “أحلم أن يكبر هذا المكان، وأن يكون لكل امرأة تحب العمل اليدوي فرصة لتعرض ما تصنعه هنا، وأن نصبح معروفات في كل مكان، ليس فقط في قامشلو، بل في العالم”.
يشار، إلى أنه عند مغادرة هذا المحل، تدرك أنه ليس مساحة تجارية، بل خيطاً صغيراً في نسيج أكبر، نسيج من الإبداع، والتمكين، والروح النسائية التي تعرف كيف تحوّل الخيط إلى لوحة، والخرزة إلى قصة، والحلم إلى حقيقة.
No Result
View All Result