محمد عيسى
في مشهدٍ يعيدُ إلى الأذهانِ الفوضى التي زرعتها تركيا على الأرض السوريّة منذ سنوات، عادتِ المجموعات المنضوية في إطار وزارة الدفاع في “الحكومة السوريّة الانتقاليّة” إلى ارتكابِ تجاوزاتٍ عسكريّةٍ خطيرة في ريفِ حلب الشرقي، وتحديداً على خطوطِ التماس مع قوات سوريا الديمقراطيّة. والتصعيدُ الجديد ليس الأول من نوعه، لكنه يأتي في توقيتٍ بالغِ الحساسية، ويطرحُ مرةً أخرى أسئلةً كبرى حول مفاهيم: الدولة، السيادة، والمسؤوليّة، خاصةً حين تصمتُ وزارةُ الدفاع بالحكومةِ الانتقاليّة أو تكتفي بإصدارِ بياناتٍ إنشائيّة، بينما تتحركُ مجموعاتها على الأرضِ بتوجيهاتٍ مباشرة من الاستخبارات التركيّة.
الوقائعُ التي سُجِّلت خلال الأيام الأولى من شهر آب الجاري، وتحديداً في الثاني والرابع من الشهر، كشفتْ مجدداً أن لا سلطة فعليّة لوزارة الدفاع التابعة للحكومة السوريّة الانتقاليّة على الأرض. فالهجوم الذي شنّته مجموعات تابعة لتلك الحكومة على نقاطٍ لقوات سوريا الديمقراطيّة في قرية “الإمام” بدير حافر، لم يكن عملاً فرديّاً أو “رد فعلٍ معزول” كما تحاول بعض وسائل الإعلام المحسوبة على المعارضة أن تُسوِّق لها، بل كان اعتداءً منظّماً تمّ التحضير له لوجستيّاً، ودُعِم من غرفِ العمليات التركيّة التي تواصلُ إدارة هذه المجموعات كأذرعٍ للنفوذِ الاحتلاليّ لا كقوى عسكريّةٍ سوريّةٍ مستقلةٍ.
انفصام السلطة عن القرار
بيانات وزارة الدفاع في الحكومة السوريّة الانتقاليّة لم تكن فقط عاجزةً عن إدانةِ أفعال المجموعات التابعة لها، بل بدت وكأنّها تعيشُ في كوكبٍ آخر. ففي حين كان القصف المدفعيّ يطال مناطق مأهولة في دير حافر، وكان الهجوم البريّ يستهدف مواقع ثابتة لقسد في قرية “الإمام”، اختارتِ الوزارة إصدارَ بيانٍ يتهم قسد بالتصعيد، متجاهلةً عشرات الخروقات التي سبقت الحادثة.
البيان الذي صدر عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، وتحدث عن “هجومٍ مفاجئ من قبل قسد” لم يتضمن أيّ دليلٍ ميدانيّ، ولم يأتِ على ذكر حقيقة أنّ الاشتباكات بدأت بعد قصفٍ مكثف نفذته المجموعات الموالية لها، طالت أكثر من عشر قذائف مناطق مأهولة بالسكان دون أيّ مبررٍ عسكريّ. وهذا الانفصال بين ما تقوله وزارة الدفاع وما يحدث ميدانيّاً يعكسُ حالة الانفصام المؤسساتيّ التي تعاني منها الحكومة السوريّة الانتقاليّة، والتي لم تُبدِ أي قدرةٍ حقيقيّة منذ تأسيسها على ضبط مجموعاتها أو فرض قواعد اشتباك واضحة التزاماً بتعهداتها وانسجاماً مع تصريحات مسؤوليها بحفظ السلم الأهليّ وتطبيق اتفاق العاشر من آذار مع “قسد”.
ويبدو أنّ بياناتِ الوزارة باتت تستخدم فقط لتبييض صورة هذه الفصائل أمام الرأي العام الدوليّ، في حين تواصل الأخيرة ارتكاب انتهاكاتها بتغطيةٍ تركيّةٍ، وبما يتناقض تماماً مع مساعي التهدئة التي تتبنّاها قوات سوريا الديمقراطيّة كخيارٍ استراتيجيّ دائم.
الواقعُ الميدانيّ يُظهر بوضوحٍ أنَّ المجموعات المسلحة التي تتلقى الدعم من وزارة الدفاع في الحكومة السوريّة الانتقاليّة لا تستقي أوامرها من قيادات الجيش أو المؤسسات الأمنيّة، بل من غرف عمليات تركية، موزعة بين عفرين وإعزاز وجرابلس وسلوك. هذه المجموعات، المعروفة بتبعيتها الكاملة لأنقرة، لم تُظهر أي التزامٍ بتوجيهات وزارة الدفاع، بل وسبق أن رفضت مراراً أوامر بالانسحاب من نقاط اشتباك، أو وقف عملياتٍ عسكرية.
الضباط الأتراك، المنتشرون في مقرات المجموعات، يملكون الكلمة الفصل في أيّ تحركٍ عسكريّ، وهم من يصيغون خطط الانتشار أو التصعيد، في تناقضٍ صارخ مع فكرة “السيادة السوريّة”. واقعٌ يجعلُ من الحكومة السوريّة الانتقاليّة مجردَ غطاءٍ سياسيّ هشّ، لا يملك صلاحياتٍ حقيقية، ولا يُستشار حتى في كثيرٍ من العمليات.
وقد أكّدت مصادر ميدانيّة أنّ المجموعات التي نفّذت الهجوم على قسد في دير حافر، كانت قد تلقت تعزيزاتٍ لوجستيّة من الجانب التركيّ قبل أيامٍ قليلة من الهجوم، ما يعني أنّ العملية كانت مدروسة، وتهدف إلى خلط الأوراق في تلك المنطقة التي ظلت هادئة نسبيّاً خلال الأشهر الماضية.
ضبط النفس خيارٌ لا ضعف
في المقابل، جاء ردّ قوات سوريا الديمقراطيّة على قدر الاعتداء، وفي سياق القانون الدوليّ الذي يضمن لكلّ قوةٍ الدفاعَ عن مناطقها ومقاتليها. وأشار البيان الصادر عن المركز الإعلاميّ لقسد، بوضوح إلى أنّ المجموعات المعتدية هي من بدأت التصعيد، وأنّ الردَّ الذي تمّ كان دفاعاً مشروعاً بعد سقوط عشرات القذائف على منازل المدنيين في محيط دير حافر.
وقد أكّدت قسد في بيانها أنّها ملتزمةٌ بالتهدئة، وأنّ الحوارَ لا يزال خيارها الأول، لكنها في الوقت نفسه لن تتوانى عن استخدام حقّها الكامل في الردّ على أيّ خروقات تهدد أمن المدنيين أو تستهدف مقاتليها.
وفي الهجوم الأخير على قرية “الإمام”، تعاملت قوات قسد بمسؤوليّة عالية، حيث صدّت الهجوم الذي بدأ عند الثالثة فجراً واستمر قرابة 20 دقيقة، مستخدمةً الحد الأدنى من القوة اللازمة لردع المجموعات المعتدية دون الانزلاق إلى مواجهةٍ واسعةٍ، في تأكيدٍ جديدٍ على ضبط النفس، رغم وضوح النوايا التصعيديّة للمجموعات.
وفي بياناتها المتكررة، شددت قوات سوريا الديمقراطيّة على التزامها الكامل بالتهدئة وبالحوار كوسيلةٍ لتجاوز التوترات. لكنّ؛ هذه التهدئة لن تكونَ على حساب أرواح المدنيين ولا على حسابِ حقوق الدفاع عن الأرض والمقاتلين. ففي كلّ مرةٍ كانت قسد تتعرض لاعتداءٍ، كانت تردُّ ضمن الحدود المشروعة، دون الانجرار إلى مواجهةٍ شاملةٍ، لكنها اليوم تقول بوضوحٍ: “نحن مستعدون لاستخدام حقنا المشروع بكلِّ قوةٍ وحزمٍ”.
إنّها ليست دعوة للحرب، بل رسالة واضحة بأنّ خيار الحوار يجب أن يُقابل بحسن نية، وأنّ الاعتداءات المتكررة، خاصة إذا استمرت بإيعازٍ تركيّ، ستواجه بردودٍ محسوبة، ولكن حاسمة.
سلسلة اعتداءات من عفرين إلى دير حافر
ما جرى في ريف حلب الشرقي ليس استثناءً، بل هو امتدادٌ لنمطٍ من السلوك العسكريّ العدوانيّ الذي تمارسه المجموعات الموالية لتركيا في مختلف مناطق سيطرتها. من عفرين إلى سري كانيه إلى كري سبي (تل أبيض)، تتكرر الانتهاكات ذاتها: اعتقالات تعسفيّة، تهجير قسريّ، نهب ممتلكات، وقصف متكرر لمناطق شمال وشرق سوريا.
وفي كلّ مرةٍ، تصدر الحكومة السوريّة الانتقاليّة بياناتٍ عن “فتح تحقيق”، أو “محاسبة المسؤولين”، دون أن تُظهر نتائج على الأرض. وبدلاً من محاسبة المجموعات، يجري ترفيع بعض قياداتها إلى مناصب أعلى، أو نقلهم إلى مناطق جديدة لتنفيذ المهام نفسها تحت مسمياتٍ مختلفة.
الأمر لا يتعلق فقط بعدم القدرة على الضبط، بل في كثيرٍ من الأحيان بغياب الإرادة السياسيّة لضبط المجموعات، خاصة وأن الحكومة الانتقاليّة تدرك أنّ قوتها السياسيّة الهشّة مستندة إلى سطوة هذه المجموعات على الأرض، وبالتالي فهي أسيرةٌ لها، وليست مرجعيّة لها.
ما بات واضحاً من خلال سلوك هذه المجموعات وغياب دور الوزارة المنوط بها الإشراف على تحركاتها، أنّ “الحكومة الانتقاليّة” لا تملك أيّ شكلٍ من أشكالِ السيادةِ. لا في قرارات الحرب والسلم، ولا في إدارة المناطق، ولا حتى في تشكيلِ الهياكل المدنيّة التي يُفترض بها أن تحكم باسم الدولة.
السيادة باتت مصادرة بالكامل من تركيا، التي تتعامل مع شمال سوريا كمجالٍ استراتيجيّ خاضع لنفوذها المباشر، تديره بالوكلاء والسماسرة المحليين، وتستخدم المجموعات كأدواتٍ لتنفيذ أجندتها الأمنيّة والسياسيّة، سواء في مواجهة قسد أو لإرباك المشهد السوريّ العام.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن “الحكومة الانتقاليّة” إلا نوعاً من المجاز السياسيّ. فالمناطق الواقعة تحت سيطرتها ليست أكثر من أراضٍ محتلة بالوكالة، يتحكم بها الضابط التركيّ من مكتبه، فيما تغيب سلطة السوريّين تماماً، وتُستَخدم المؤسسات المدنية لتغطية المشروع التركيّ لا لخدمة السوريّين.
تهدئة تحت وصاية الاحتلال
التصعيد في منطقة دير حافر بريف حلب الشرقيّ يعيدنا إلى معادلةٍ بسيطة: لا أمنَ دون سيادةٍ، ولا سيادةَ مع وجودِ مجموعات غير منضبطةٍ، ولا حكومة تستحق التسمية إن كانت عاجزة عن ضبط من يدّعي الانتماء إليها. وما يجري في ريف حلب الشرقي ليس فقط اعتداءً عسكريّاً، بل هو تكثيفٌ للأزمة السوريّة في مشهدٍ واحد: احتلال تركيّ تسيطر على الأرض، ومجموعات تعمل لصالحه، وحكومة شكليّة تصدرُ البيانات تخالف حقائق الميدان، في مواجهة قوة منظمة ومنضبطة “قسد” تضع الحوار في المقدمة، وتحتفظ بحق الرد المشروع حين تُستنزف خياراتُ التهدئة.
في هذا السياق، فإنّ الطريق إلى الاستقرارِ لا يمرّ عبر بيانات الإنكار، بل عبر قرارٍ جريء من الأطراف المدعية بالشرعيّة بأن تضبط فصائلها أولاً، وأن تنأى بنفسها عن مشاريع الاحتلال التي لا تجلب إلا مزيداً من الدم والانقسام.
الاتفاق الموقع في العاشر من آذار الماضي بين رئيس السلطة الانتقاليّة أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي يتضمن بوضوح “وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السوريّة”، ويسعى الاحتلال التركيّ إلى إفشال هذا الاتفاق، عبر التصعيد الميدانيّ والاستفزازات المتكررة، في محاولة إلى دفع الوضع إلى اشتباكات موسعة. ومن ثم تحميل قوات سوريا الديمقراطيّة مسؤولية خرق الاتفاق.
ما يزيد المشهد تعقيداً هو أنّ مجموعات المرتزقة ذاتها “سليمان شاه والحمزات” التي تشن الهجمات في ريف حلب الشرقيّ، كانت خلال الأيام الماضية طرفاً مباشراً في أحداث الساحل السوريّ وصدرت بحقها العقوبات الأوروبيّة، وكان لها دور خلال ما سمّي فزعة العشائر وأحداث السويداء، من خلال تحريك خلايا أو دعم تحركات تخريبيّة هدفت إلى نشر التوتر والاضطراب في تلك المناطق. وبذلك، وهي بذلك تقود عمليّاً انقلاباً ضد السلطة الانتقاليّة، باعتبارها الجهة المسؤولة أمام السوريين والعالم عن ارتفاع فاتورة الدم، وإن كانت المجازر والإعدامات الميدانيّة وقعت بدوافع طائفيّة؛ فإنّ في توظيفها السياسيّ هي حالة انقلابٍ على السلطة القائمة.
يتضح أن هذه المجموعات لم تعد تكتفي بخرق خطوط التماس في ريف حلب الشرقي شمال سوريا، بل تسعى لنقل الفوضى إلى عمق الجغرافيا السوريّة، بهدف تقويض أيّ مسار استقرار أو تهدئة، وكأن مشروعها الوحيد هو إنتاج الخراب أينما حلّت، وبتوجيهاتٍ لا تخفى عن أحد.