No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ في شوارع مدينة قامشلو، وبين الأرصفة التي اعتادت وجوه المارة، يقف “خضر مجيد” منذ ساعات الفجر الأولى، حاملاً دلّة القهوة، لا لبيعها فحسب، بل ليألف من كل فنجان قصة تروي رحلة كفاحه.
رجل بملامح سمراء تعلو وجهه تجاعيد الغياب والغربة، وفي يده دلّة قهوة تفوح منها رائحة الصبر مغيبة رائحة البن، “خضر مجيد“، من مواليد 1978، رجلٌ لم تهزمه السنوات، بل صقلته، فعاد إلى مدينته بعد أكثر من ربع قرن من الغربة، حاملاً دلّة القهوة وشيئاً من الكرامة التي لم يتخلّ عنها يوماً.
قضى خضر 25 سنة في دمشق، وهناك خاض معارك البقاء اليومية بائع بسطة متنقلة يعمل في الشوارع، يفرش بضاعته على الأرصفة، لكنه لم يكن دائماً مرحّباً به، فالبلدية كانت تطارده، وتمنعه، وتصادر بضاعته، حيث أشار خضر مجيد، خلال لقاء مع صحيفتنا “روناهي”: “أحياناً كانوا يمنعونا من نشر البسطات، والتشدد لم يكن دائماً ولكنهم قطعوا أرزاقنا، لذلك بحثت عن عمل بديل”.
وفي لحظة يأس ممزوجة بالأمل، قرر أن يجرب شيئاً جديداً، شيئاً يحبه كالقهوة، فحمل دلّة، وغلاية صغيرة، وبدأ يبيع القهوة على أصحاب المحال والبسطات الأخرى، لم يكن يتوقع نجاح الفكرة، لكن في أول يوم، باع كل ما أعده، كانت القهوة مفتاحاً جديداً لحياة أكثر دفئًا وإنسانية: “أنا من عشاق القهوة، وأحب صنعها وعندما قررت العمل بها شعرت أني أقرب من الناس”.
لكن الغربة كانت قاسية، ولم يكن دائماً مرحباً به من المجتمع: “لقد سعمت العديد من الكلمات اللاذعة، ومنها (ليست هذه مدينتك)، وكنت أحياناً أعود للمنزل وأرمي الدلّة على الأرض، وأقول لنفسي سوف أعود لمدينتي، فلا أحد يجرح كرامتي هناك”.
ومع اشتداد الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة، اتخذ مجيد قراره بالعودة إلى قامشلو، حيث عاد وهو يعلم أن الحياة لن تكون سهلة، لكنه فضّل الصعوبات في مدينته على الإهانة في مدينة أخرى بالرغم من أنه لن يتجاوز حدود جغرافية سوريا في سفره.
وفي مدينته “قامشلو”، أعاد إطلاق فكرته القديمة “بسطة القهوة”، حيث يبدأ يومه من السادسة صباحاً، يحمل الدلّة ويصنع الشاي والقهوة على موقد بسيط، يوزّعها على المارّة وأصحاب المحلات، لا يحدد سعراً، ولا يُلزم الزبون بالدفع: “نصف الكاسات أعطيها مجاناً، لا أطالب من الناس سعر القهوة، فالناس هنا أهلي وأصدقائي وأولاد حارتي وأخجل أن أطلب حق فنجان قهوة منهم”.
ورغم بساطة المشروع، صار مورد رزق مجيد الوحيد، وقد بدأ من جديد، وفي كل صباح، يعود إلى المكان ذاته، يضع غلايته على النار، ويبدأ حكاية جديدة، ليواجه صعوبات الحياة بإصرار هادئ، ونظرة تعكس أنه اختار كرامته فوق كل شيء.
لكل من يفكر أن العمل البسيط لا يُطعم، أو أن المهن المتواضعة لا تصنع كرامة، وجه له “خضر مجيد” رسالة: “أعمل أي شيء، حتى لو نبشنا الزبالة، لا نمد يدنا لأحد ليطعمنا، وأهم ما لدي أن تطعم أطفالك لقمة حلال، حتى لو كانت مرة، لكنها بشرف”.
يشار، إلى أن “خضر مجيد” ليس فقط بائع قهوة، بل رجلاً وجد في العودة إلى جذوره خلاصاً، وفي تقديم فنجان قهوة صباحية وسيلة للعيش بكرامة، وفي زمن تتغير فيه القيم، ويُقاس النجاح بالمظاهر، يُعيد تعريف النجاح الحقيقي “أن تعمل، وأن تعطي، وألا تفقد احترامك لنفسك مهما ضاقت بك الدنيا”.
No Result
View All Result