No Result
View All Result
أراد “ديار يوسف” أن يسلك درباً مختلفاً في الفن، ريشته لم تتوقف عند سطح الورقة، بل حفرت في الخشب، وتجولت على الزجاج، وتسللت عبر الخيط والمسمار، لتشكل لوحات تنبض بالحياة والهوية.
يمسك ديار يوسف ريشته بثبات وتركيز، تنساب حركات يده بخفة على اللوحة وكأنها تعزف سيمفونية، بعينين ملؤهما الشغف ينغمس ديار يوسف في تفاصيل الرسم، كأن كل خط يحاكي قصة روحه المبدعة.
حالة فنية فريدة بين شباب جيله
رسم يوسف (23 عاماً) طريقه في عالم الفن منذ أن كان في الثامنة عشرة من عمره في مدينة قامشلو بمقاطعة الجزيرة، متنقلاً بين تقنيات وأساليب مختلفة، جعلت منه حالة فنية فريدة بين شباب جيله، في رحلة طويلة مليئة بالشغف والتعب والإبداع وطموح لا ينتهي.
من الرسم بالفحم والرصاص، إلى الخط العربي، فالحرق على الخشب، مروراً بالنقش على الزجاج، والرسم بالألوان الزيتية، وانتهاء بأسلوب نادر ومعقد الرسم بالخيط والمسمار.
يقول لوكالة أنباء هاوار: “منذ طفولتي كنت أهوى الرسم. لم أتلقَّ تدريباً أكاديمياً، بل كنت أطور نفسي من خلال الممارسة ومتابعة الكورسات البسيطة، استفدت من محيطي، ومن أصدقائي، ومن كل ما حولي، حتى بدأت أتعلم أساليب وتقنيات جديدة تدريجياً”.
خلال أول عامين من رحلته الفنية، كان يركز على الرسم بالفحم وأقلام الرصاص، ثم اتجه إلى الخط العربي، وهو فن ورثه من والده الذي كان يمتلك موهبة بارزة في هذا المجال.
يهوى ديار يوسف رسم الخط العربي من بين فنون الرسم، وقد أتقن رسمه خلال سنة ونصف: “أعشق الخط العربي وأصبح جزءًا لا يتجزأ من لوحاتي. الخط العربي ليس مجرد حروف، بل هو إحساس متكامل”.
من الخشب إلى الزجاج… ثم الخيط والمسمار
لم يرضَ ديار يوسف بالتقليد، وقرر الانتقال إلى تقنيات أكثر جرأة، تعلّم الحرق على الخشب، ثم جرّب النقش على الزجاج ليصل إلى ما عدَّه أصعب تجاربه، الرسم بالخيط والمسمار.
يشير إلى واحدة من أبرز لوحاته: “رسمت وجه الممثل السوري المشهور “باسم ياخور” باستخدام الخيط والمسمار، واستغرقت في إعداد اللوحة أكثر من 60 ساعة، خلال عشرة أيام متواصلة، النتيجة كانت مذهلة، حتى أن الممثل بنفسه تواصل معي وأبدى إعجابه، كانت هذه لحظة مؤثرة في حياتي ودافعاً وداعماً معنوياً لي”.
فرق جوهري بين من يملك الموهبة ويهوى الرسم
في هذا المضمار يقول ديار يوسف: “الرسم ليس مجرد خطوط وألوان، بل هو انعكاس لما في داخل الإنسان، وصوت داخلي يتجسد على لوحة الرسم، هناك فرق جوهري بين امتلاك موهبة الرسم وبين مجرد هوايته، إذ إن الموهبة تمنح صاحبها القدرة على التطور والابتكار، بينما قد يبقى من يهوى الرسم فقط منحصراً في دائرة تطوير الذات دون الوصول إلى مراحل متقدمة من الإبداع”.
ويضيف: “عندما حملت قلم الرصاص لأول مرة، شعرت بالإحباط، مزقت أوراقي، وتركت الأقلام والريشة جانباً، لكن لم أنسَ تلك اللحظة، كانت البداية صعبة، لكنني عدت ورسمت مرة، واثنتين، حتى أصبح الرسم جزءاً أساسياً لا يتجزأ من حياتي، لا أستطيع الاستغناء عنه”.
يؤكد الفنان أن ارتباطه بالفن لا يقتصر على نوع واحد من الرسم، بل يمتد إلى عدة تقنيات وأساليب، مثل الرسم بالفحم، الحرق على الخشب، والخيط والمسمار، ولكل منها خصوصيته ووقته: “في الرسم بالفحم، لا أتأخر أكثر من يومين لأنجز اللوحة، بمعدل ساعتين يوميًا، أما تقنية الحرق على الخشب فتأخذ مني خمسة أيام، بمعدل ساعة ونصف يوميًا. لكن مع الخيط والمسمار، أقضي وقتًا أطول حتى أنتهي من اللوحة بالشكل الذي يرضيني”.
ويشدد على أن الحالة النفسية تؤثر بشكل مباشر على جودة العمل الفني: “يجب أن تكون مرتاح البال حتى تبدع، لأنك إذا رسمت وأنت غاضب، قد تفسد اللوحة بدل أن تعبّر”.
كل تجربة لها بصمتها ولكل لوحة حكايتها
ومن بين أبرز تجاربه، يلفت إلى أول تجربة نقش قام بها على الزجاج، وكانت على صورة شقيقه: “كانت أول صورة أعمل عليها، ونقشت على الزجاج. النتيجة فاقت توقعاتي، كانت تجربة ناجحة وجميلة، وشجعتني على المضي قدماً، وشعرت أن اللوحات القادمة ستكون أجمل، فلكل تجربة بصمتها، ولكل لوحة حكايتها”.
لماذا ينجذب ديار يوسف لرسم الشخصيات؟
عن علاقته بالرسم يلفت يوسف: “الرسم ليس مجرد موهبة، بل يولد مع الإنسان، الهواية لا تكفي، يجب أن يكون هناك شغف داخلي يدفعك للاستمرار”.
وحول اختياره الشخصيات في أغلب رسوماته ينوه: “أميل لرسم الشخصيات لأنها غنية بالتفاصيل، الوجوه، ملامحها، مساماتها، تعبيراتها، كل ذلك يشكل تحدياً جميلاً، خاصة عندما أرسم بالفحم، لأنه يظهر العمق والظل بطريقة فنية دقيقة مذهلة”.
مرسم صغير وطموحات كبيرة
بعد سنوات من التعاون مع فرقة “أوركيد” الفنية كخطاط وفنان مشارك، قرر ديار الاعتماد على نفسه، وافتتح مرسمه الصغير الخاص به، رغم الإمكانات المحدودة.
ويؤكد ديار يوسف في هذا الاتجاه أن هدفه من افتتاح المرسم ليس تحقيق مردود مادي؛ ويختتم حديثه لوكالة أنباء هاوار: “هدفي من المرسم ليس الربح أو جني المال، بل أن يرى الناس أعمالي الفنية، ويشاهد أبناء شعبي لوحاتي ورسوماتي، أريد أن يكون عملي مرآة تعكس روحاً فنية وتصل إلى مجتمعي”.
مرسم ديار يوسف الصغير الكائن في شارع مزدحم مشبع بالضوضاء، لا يوفر الأجواء المثالية للإبداع، لذلك يحلم بافتتاح مشروع فني متكامل في المستقبل، يحوي قاعات هادئة، وموسيقا، وبيئة ملهمة لتعليم الرسم للصغار والكبار.
حلم لا حدود له
رغم التحديات، لم يفكر ديار يوسف في الهجرة أو الابتعاد عن وطنه، يرى أن المستقبل يمكن صناعته هنا في المكان الذي نشأ فيه: “كثيرون يطلبون مني تعليم أطفالهم، والكبار على الرسم، أريد أن أكون حاضراً هنا، وأعلِّم، وأشارك، وأساهم في نشر ثقافة الفن في مجتمعي”.
No Result
View All Result