No Result
View All Result
د. هشام محفوظ
اكتُب، حتى ولو لم يقرأ لك أحد. اكتُب كما لو أن الكتابة تبتل في الليل، والورقة محراب، والحبر دعاءٌ سريٌّ لا يسمعه إلا قلبك المستنير بربك.
اكتب لأنك لا تملك إلا هذا الخيط الدقيق الذي يشدّك إلى الحياة، إلى المعنى، إلى ما تبقّى من ذاتك حيث الزهد فيما عند الآخرين. والرغبة في نوال مرضاة الله الذي أقسم بالقلم.
اكتب حتى ولو أُغلقت الأبواب، وجفّت العيون، وتقطّعت دروب النشر والاهتمام.
ليس شرطًا أن يكون لك جمهورٌ يصفق، أو ناقدٌ يطري، أو صديقٌ يعيد قراءة ما كتبت، أو شلة تدفع بك إلى الشهرة. يكفي أن تكون أنت قارئَك الأول، وناقدك الأشدّ، ورفيقك الأصدق في متاهة الحروف التي ستحيط بك عطرا يوم تُبلى السرائر، ويستخرج ما في الضمائر.
الكتابة فعل إبداع، لا يُشترط لها شهود. هي نجاة فردية في قارب مثقوب وسط محيط هائج، هي اعتراف داخلي لا تُقدّمه لمحكمة ولا تنتظر عليه حكماً أو مكافأة. الكتابة ليست صدى لما يُطلب منك، بل صرخة لما يُطلب فيك. هي ليست إرضاءً لذائقة، بل مقاومة لفناء داخلي.
لا تَكتب لتُعجب، بل اكتب لتَحيا. اكتب لتصون إنسانك من التبخر، ولتُلقي بحقيقتك في وجه الزيف، حتى وإن لم ينتبه أحد.
كم من كاتب مات مجهولًا ثم صارت كلماته مشاعل في عتمات العصور؟
وكم من قارئ وجد نفسه مع كاتب بعد رحيل هذا الكاتب بسنين بعيدة؟
ليس من شرطٍ أن يُقرأ لك الآن. المهم أن تُكتب… الآن.
فربّ حرفٍ صادق تُخرجه من روحك، يكون زادًا لقلبٍ وحيدٍ في زمنٍ لم يولد بعد. ورب حرف يخرج الملح من جرح يحترق صاحبه ألما!
اكتُب، حتى ولو لم يقرأ لك أحد.
اكتُب كما لو أن الكتابة التي تكتبها الآن هي آخر ما تكتب..
No Result
View All Result