حمزة حرب
بعد سنوات من القمع والحرب والانهيار.. انتظر السوريون أن تفتح مرحلة ما بعد النظام باباً نحو الحرية وتقرير المصير لكن ما حدث كان انقلاباً ناعماً على آمال الناس، تمثل في حكومةٍ انتقاليّة نصّبت نفسها وصيةً على القرار الوطنيّ، وشرعت لتشكيل مجلس شعب وفق مقاساتها ومن لونها، وبهذا يرى الكثيرون أنّ هذه الخطوة فاقدة للشرعيّة الشعبيّة كون المجلس المزمع لا يمثل إلا جزءاً من السوريين، ولا يعكس تطلعات الثورة ولا تضحياتها.
في الثامن من كانون الأول لعام 2024 سقط النظام السوري السابق بعد عقودٍ من القمع والاستبداد، وساد الفرح أرجاء سوريا من أدناها إلى أقصاها بعد أن ظنّ السوريّون أنّهم طووا صفحة قاتمة من تاريخهم وأنّ الطريق بات سالكاً نحو دولة مدنيّة ديمقراطيّة تحتضن كلَّ أبنائها دون إقصاء أو تهميش لكن سرعان ما تحوّل هذا الابتهاج إلى إعادة إنتاج لنظام الاستبداد، بأقنعةٍ جديدة وأدوات أشد خبثاً، حيث تُصادر إرادة السوريّين من جديد، لكن هذه المرة باسم الثورة التي منحت نفسها الصلاحيات المطلقة.
خطواتٌ فاقدة للشرعيّة
منذ اللحظات الأولى لفرار رأس النظام السابق وسقوطه المدوي بعد سنوات من الحرب والدمار وخراب الديار ووصول هيئة تحرير الشام الى دمشق لتنصّب نفسها حكومة انتقاليّة وسلطة أمر واقع وتسلط سيفها على رقاب من يعارضها وتعيد تعويم بعض رموز النظام السابق ممن لديه النفوذ أو المال أحياناً وأحياناً أخرى ليكون عرّاب إعادة تدوير الاستبداد والاقصاء.
وما زاد من تعميقِ الأزمة هو الدعم الدوليّ للحكومة الانتقاليّة والذي جاء على عجل وبشكلٍ واسع جداً، فقد فتحت الدول العربية أبوابها، وباركت معظم دول المنطقة والغربية سقوط النظام، وقدّمت كل أشكال الدعم وإن كانت تضع شروطاً واضحة لهذا الدعم ولا لبس فيها وهي إشراك جميع مكونات الشعب السوريّ دون استثناء في صناعة مستقبل البلاد، واعتماد خطاب جامع ومؤسسات تمثل الجميع.
كانت أولى الخطوات في هذا المسار هي عقد ما أطلقت عليه هذه الحكومة “مؤتمر النصر” الذي جُمع فيه ممثلون من المجموعات المسلحة متعددة الولاءات خصوصاً أولئك المرتبطين بتركيا وأخذ الشرعيّة منهم “البيعة” بعرف هيئة تحرير الشام حينها وهو ما غيّب الروح الوطنيّة الحقيقيّة عن كثير من هؤلاء، وكان واضحاً أنَّ أجنداتهم مرتهنة لقوى إقليميّة أكثر مما هي نابعة من الإرادة السوريّة.
ورغم ذلك، قرّر المؤتمر تنصيب أحمد الشرع رئيساً انتقاليّاً، وحلّ جميع الأجسام السياسيّة والعسكريّة المعارضة حلاً قسريّاً دون التفاوض أو الحوار معهم أو إشراكهم حتى في العمليّة السياسيّة وبدا ذلك وكأنّه محاولة لفتح صفحة جديدة ولكن طريقة التنفيذ وشكل التمثيل سرعان ما أثارت الشكوك ليتبين فيما بعد أنَّ المسعى هو تشكيل حكومة بلونٍ واحد مع وضع إكسسواراتٍ تذر الرماد في العيون على أنّ هناك تمثيل لكل الشعوب.






