No Result
View All Result
حمزة حرب
سقوط النظام السوريّ شكّل لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث وخلط الأوراق وبعثر كل التوازنات الدوليّة على الساحة السوريّة، لكن المشهدَ لم ينتهِ بانهيار السلطةِ القديمة، بل بدأت فصول جديدة من التحالفات والتفاهمات وإعادة التموضع، ومن بين أبرز الملفات التي طفت على السطح مجدداً عودة العلاقات بين روسيا والحكومة الانتقاليّة التي تم تشكيلها بُعيد سقوط النظام في دمشق.
العلاقة الجديدة بين موسكو ودمشق تحمل في طياتها الكثير من التعقيدات داخل مشهد سوريّ متقلّب، تتبدل التحالفات كما تتبدل خرائط السيطرة من دولة وقفت بثقلها إلى جانب النظام، واستخدمت الفيتو لأجله في مجلس الأمن، وأرسلت طائراتها لقصف معارضيه، إلى حليفٍ جديدٍ لحكومةٍ انتقاليّةٍ كانت حتى الأمس القريب في خندقِ الخصومة، ولكن يبدو أنّ المصالحَ غلبتِ المبادئ وأنّ التعاملَ مع البديلِ بات ضرورة لموسكو للحفاظ على مكتسباتها السياسيّة والعسكريّة أو على أقل تقدير لتقبض ثمن تخليها عن نظام الأسد.
من دعم الأسد إلى التعامل مع الشرع
منذ اندلاع الثورة السوريّة وبدء الأزمة، اتخذت موسكو موقفاً حاسماً بدعم النظام السابق عسكريّا وسياسيّا لم تكن سوريا بالنسبة للكرملين مجرد حليف تقليديّ، بل كانت بوابة النفوذ الروسيّ إلى المياه الدافئة على المتوسط في كلٍّ من طرطوس واللاذقية على الساحل السوريّ وقاعدة لمنافسة الغرب على الساحة الدوليّة.
موسكو قدمت الدعم الجويّ في معارك مصيريّة مثل حلب والغوطة ودرعا وحتى أطراف الساحل السوريّ ونسّقت عمليات عسكريّة مع إيران والنظام في البادية السوريّة وصولاً إلى معبر البوكمال وخاضت إلى جانب الاحتلال التركيّ صفقاتٍ ومقايضات غيّرت معالم السيطرة العسكريّة على الساحة السوريّة وقلبت الموازين رأساً على عقب.
كما لعبت دور المدافع الشرس في أروقةِ مجلس الأمن، واستخدمت حق النقض (الفيتو) أكثر من 15 مرة لحماية النظام من قراراتٍ دوليّةٍ، لكن خلف هذا الدفاع المستميت كانت موسكو تبني عقود نفط وغاز طويلة الأمد وتؤسس قواعد عسكريّة دائمة وتوسّع نفوذها الاقتصاديّ والعسكريّ على الأراضي السوريّة.
هكذا بنت روسيا أسس وجودها على الساحة السوريّة بناءً على المصالح لا المبادئ وكان هذا العنوان العصب الرئيسيّ في تحالفاتها مع النظام السابق الذي شكّل سقوطه مما لا شك فيه لحظة ارتباكٍ في موسكو، فكلُّ الرهانات التي وضعتها على بقاء الأسد في الحكم انهارت فجأة أو ربما بشكلٍ مدروس من خلال صفقةٍ كبيرةٍ كانت موسكو جزءاً منها للحفاظ على مكتسباتها.
موسكو وخلال اللحظات الأولى لسقوط النظام سارعت بإجراء اتصالاتٍ سرّيةٍ مع أطرافٍ في الحكومة الانتقاليّة الجديدة، مستكشفةً مدى قابليتهم للتعامل معها حيث لم تمضِ أشهر حتى بدأت اللقاءات العلنيّة تظهر في الإعلام: وفود دبلوماسيّة، زيارات إنسانيّة، تصريحات متبادلة تشدد على أهميّة الحوار بين الجانبين.
بدت روسيا كأنّها تنتقل بهدوءٍ من مرحلة الدفاع عن النظام إلى بناء تفاهمات مع بديله، ففي السياسة الدوليّة لموسكو لا مكان للعواطف، وجلّ ما يهمها هو بقاء القواعد العسكريّة في طرطوس واللاذقية واستمرار العقود الاقتصاديّة، وضمان ألا تتحولَ سوريا إلى ساحة نفوذ أمريكيّ أو تركيّ خالصة.
أما في دمشق تقبع الحكومة الانتقاليّة تحت ضغط الهيمنة الغربيّة والعربيّة إلى جانب تركيا وإسرائيل الأحاديّة الجانب ما دفعها إلى إيجاد توازن دوليّ يخفف من عبء هذا الضغط ويكون شماعة للغربِ لخلق ثقلٍ سياسيّ ودبلوماسيّ رغم معرفتها بدور روسيا الدمويّ تجاهها في السنوات الماضية إلا أنّها تدرك باستحالة تجاهل قوة بحجم موسكو.
فموسكو لا تتصدر المشهد كما كانت في عهد الأسد إلا أنّها جزء منه، كما أنّ الحكومة الانتقاليّة وصلت لمرحلةِ الإدراك بأنّها لا زالت بحاجةٍ لتوازنٍ دوليّ يمنع الهيمنة الأمريكيّة أو التركيّة، وتدرك أنّ روسيا رغم كلّ شيء لا تزال قوة يمكن الاستفادة منها في ملفاتِ الإعمار والطاقة والمصالحة.
ورغم أنَّ روسيا وطوال سنوات الحرب وقفت بقوةٍ إلى جانب النظام السوريّ معتبرة سقوطه تهديداً مباشراً لمصالحها في الشرق الأوسط لكن مع واقع جديد يفرض نفسه بقوة وموسكو ضمن هذا الواقع حيث تفرض نفسها بقوة ضمن جغرافيا سياسيّة تتغير بسرعة، أدركت أن الحفاظ على موطئ قدم في سوريا يتطلب الانفتاح على القوى الصاعدة لا الوقوف في وجهها.
براغماتية واضحة
خلال الزيارة التي أجراها مؤخراً وزير الخارجيّة في الحكومة الانتقاليّة رفقة وزير دفاعه مرهف أبو قصرة إلى موسكو بدى الطرفان حريصان على رسم علاقة “براغماتية” متبادلة تحفظ لكلٍ منهما الاستقلاليّة، لكنها تضمن أيضاً تجنب الاصطدام وابداء مرونة فاعلة في المعادلة من قبل موسكو تجاه الملفات العالقة داخلياً وخارجيّاً وخلق توازنات دوليّة وإقليمية.
ففي خضم الفوضى التي أعقبت سقوط النظام تتلمس الحكومة الانتقاليّة طريقها بين الركام وتحاول أن تثبتَ للعالم أنّها قادرة على بناء دولة لا تتبع ولا تعادي لمجرد العداء وأنّ سوريا لها حساباتها حتى في علاقاتها مع من شارك يوماً في مأساتها بحسب تعبير هذه الحكومة.
بينما موسكو التي دخلت المعادلة السوريّة من بوابة الحديد والنار تعود لتدخلها من بوابة الدبلوماسيّة والحوار وهي مدركة أن دمشق أعوز ما تكون لبناء علاقات جديدة، فالعالم لا يرحم الدول المعزولة والاقتصاد السوريّ المنهك لا يستطيع النهوض دون شركاء دوليّين، حتى لو كانوا خصوم الأمس.
فبالتوازي مع هذا النهج تراقب موسكو التوجهات الأمريكيّة في سوريا خاصةً بعد هيمنة واشنطن على مفاصل بارزةٍ في الحكومة الانتقاليّة، هذا الواقع يدفع روسيا إلى محاولة كسر الاحتكار الأمريكيّ للملف السوريّ عبر تقديم نفسها شريكاً موثوقاً وواقعياً لا خصماً أيديولوجياً.
وفي هذا الإطار تُكثر موسكو من رسائل الطمأنة وتعرض مبادرات سياسيّة وتحاول استمالة قوى داخل الحكومة الانتقاليّة تدعو إلى سياسة خارجيّة متوازنة لا تنحاز كلياً للغرب فرغم تغير السلطة في دمشق لم تتبدل الأهداف الروسيّة كثيراً حيث لا تزال موسكو تسعى للحفاظ على قواعدها العسكريّة في طرطوس وحميميم، وضمان العقود الاستثمارية التي أبرمتها في قطاعات الطاقة والموانئ، وتأمين دور سياسيّ لها في مستقبل سوريا.
علاوةً على أن الحكومة الانتقاليّة باتت تفقد ثقلها الذي حظيت به غربياً وعربياً عقب سقوط نظام بشار الأسد بعد المجازر التي ارتكبت في الساحل السوريّ والسويداء فموسكو من مصلحتها ركوب الموجة وذلك من خلال وضع ركائز أساسية لنفسها على رأسها الاعتراف بالواقع الجديد، والمطالبة بعدم المساس بالمصالح الروسيّة القائمة ولعب دور الوسيط في الملفات العالقة بين السوريّين أنفسهم.
ناهيك عن أن روسيا ما زالت قوة كبرى في الشرق الأوسط، وصاحبة نفوذ في مفاصل سوريّة مهمة لا سيما في الساحل السوريّ واحتضانها لرموز النظام السابق والذين يمتلكون مفاتيح الساحل وأدوات فرض التهدئة المستدامة هناك وهو أحوج ما تريده الحكومة الانتقاليّة اليوم.
ملفاتٌ هامة
في خضم هذه المعطيات يبدو أنَّ الشرع وحكومته الانتقاليّة وجدوا أنَّ فتح باب دبلوماسيّ مع موسكو قد يمنحهم فرصة لكسب شرعيّة إضافيّة على الساحة الدوليّة وفتح قنوات حوار في ملفات ساخنة على رأسها ملف الساحل السوريّ وربما ملف شمال وشرق سوريا الذي تربطه علاقات جيدة مع موسكو أيضاً منذ عام 2018 عندما انسحب ترامب من الشريط الحدوديّ وخلقت قسد توازناً عسكريّاً بين موسكو وواشنطن في المنطقة.
وهو ما كان واضحاً للعيان، حيث أنّ من أبرز الملفات التي فرضت نفسها على طاولة العلاقة بين الحكومة الانتقاليّة وموسكو، هو ملف الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا فبينما تسعى الحكومة الانتقاليّة إلى ضم هذه المناطق ضمن رؤيتها ودستورها وحكومتها المركزيّة تجد موسكو نفسها مضطرة للتوفيق بين دعم الحكومة الجديدة من جهة، وعدم خسارة نفوذها في شمال وشرق سوريا من جهة أخرى، لذا بات واضحاً في البيان الصحفيّ الموقف الروسيّ بالنسبة لشمال وشرق سوريا.
حتى الآن، تبدو موسكو وكأنّها تلعب على الحبال تشجع الحوار بين الطرفين وتطرح نفسها كضامن لأيّ اتفاق مستقبليّ لكنها لا تمارس ضغطاً حقيقيّاً على أيّ طرف فلم تكن موسكو بحاجة إلى مغازلة الإدارة الذاتيّة لولا إدراكها العميق بأنّ شمال وشرق سوريا حليف موثوق ولا ينقض العهود والمواثيق وتعلم جيداً أنّه حقق بدبلوماسيته الناعمة ما لم تحققه الحكومة السوريّة الانتقالية على الصعيد الدوليّ.
علاوة على ذلك أدركت موسكو بسنواتها التي قضتها في شمال وشرق سوريا بعد احتلال سري كانيه أن القوات الموجودة على الأرض هي الأكثر انضباطاً والأكثر التزاماً والأكثر قبولاً لدى المجتمع الدوليّ وممكن أن تكون نواة لخلق واقع جديد في المناطق التي تشهد توترات كبيرة كالساحل والسويداء ومن الممكن أن تكونَ مفتاح لحلحلة العقد المستعصية في هذه الملفات.
فمع هذه الرؤى قد يتغيّر مشهد الساحل فلم تعد القاعدة الروسيّة مجرد جيب أجنبيّ محصّن بل أصبحت جزءاً من معادلة جديدة قائمة على الشراكة لا الوصاية وباتت الأعلام الروسيّة ترفرف إلى جانب أعلام الدولة الجديدة والسكان في طرطوس واللاذقية ينظرون إلى هذا التطور بعيون متباينة.
البعض يرى في الوجود الروسيّ ضماناً لعدم تكرار الفوضى، وآخرون يرونه امتداداً لنفوذ خارجيّ لا يختلف عن الماضي، ولكن الغالبيّة تراقبُ بهدوء وترى أنّ المصلحة اليوم هي في الاستقرار لا في التصعيد، فالوجود الروسيّ في الساحل سيكون طوقَ النجاةِ الوحيد للأهالي ويحول دون تكرار المجازر بحقهم، وربما تُمنح موسكو بعض الصلاحيات لمعالجة الملف بخلق قبولٍ فعليّ على الأرض للشرع وحكومته.
ومن أجل امتصاص غضب حاضنة الحكومة الانتقاليّة الشعبيّة، قد تقدم موسكو نفسها كشريك اقتصاديّ واستراتيجيّ، لا كوصي سياسيّ وقد بدأت الشركات الروسيّة فعلاً تدرس فرص الاستثمار في الموانئ والمرافئ وقطاع الطاقة في الساحل الذي قد ينشغل فيه الجميع بتحوله من جغرافيا النفوذ إلى ساحةٍ للتفاهم لا للتصادم. فعودة العلاقات بين روسيا والحكومة الانتقاليّة في سوريا ليست قصة تحالف جديد بل فصل معقد من لعبة مصالح تتقاطع فيها الجغرافيا بالسياسة والبراغماتية بالتحولات السياسيّة العميقة لكن في النهاية، يبدو أن موسكو اختارت أن تتكيّف مع الواقع الجديد بدلاً من مقاومته فيما تسير الحكومة الانتقاليّة على حبل دقيق بين الماضي والحاضر، بين طموحات التغيير ومقتضيات السياسة والمصلحة وان تضع بيدها أوراق قوى في وجه حلفائها الغربيين المفترضين.
لتدخل سوريا عصراً جديداً، وروسيا ستبقى لاعباً محورياً في سوريا لكن لا كلاعب رئيسيّ كما كانت بل كطرف ضمن معادلة متعددة الأقطاب تسعى للتأثير لا للسيطرة وللشراكة المشروطة، لا للهيمنة المطلقة بينما تبقى الآمال معلقة على السوريّين أنفسهم في متابعة كلّ التحركاتِ التي تبديها الحكومة الانتقاليّة في دمشق ومتابعة سبل بناء نظام حكم جديد لهم لا يعيد إنتاج المركزيّة والاستبداد والتبعيّة القديمة. فالواقع السوريّ الجديد ليس ساحة مفتوحة، بل أرض تبحث عن توازن يضمن الطريق الذي يؤدي إلى الديمقراطيّة والحرية والبناء الحقيقيّ باختلافٍ كليّ عما كان سائد لأكثر من 50 عام من إقصاءٍ وتهميش ممنهج.
No Result
View All Result