No Result
View All Result
أناهيد قصابيان
أنا لا أكتب ترفًا، ولا أمارس الكتابة كمهنة حيادية، بل أكتب لأنني اخترت الانحياز الكامل لهذه الثورة – ثورة 19 تموز، التي أعادت تعريف الإنسان، وأيقظت الأسئلة الكبرى حول الوطن، العدالة، والمصير.
أكتب من قلب هذا المشروع الذي لم يأتِ ليكون مجرّد بديل سطحي، بل جاء ليقلب المعادلات كلها، ويؤسس لسوريا جديدة لا تنسى من دُفنوا على هامش الخريطة.
أكتب من أجل سوريا لا مركزية، تُدار فيها المناطق من أبنائها، ويُبنى فيها القرار من القاعدة إلى القمة، حيث المشاركة تعني السيادة الحقيقية للناس، لا حكم المركز على الأطراف، ولا سلطة فوق الإرادة الشعبية.
وأكتب من أجل التعددية كمنهج حياة لا كشعار سياسي. التعددية ليست ضعفًا ولا تهديدًا، بل هي مصدر غنى إنساني وثقافي وسياسي، في سوريا الجديدة، لا يمكن اختزال المجتمع في هوية واحدة، ولا في دين أو قومية واحدة، بل يجب أن تكون التعددية ركيزة أساسية للدستور، والتربية، والإعلام، والقانون. التعددية التي تحمي الجميع، لا تلك التي تُستخدم لتبرير التفرقة.
وأكتب من أجل هوية وطنية جامعة، هوية لا تنفي الانتماءات الجزئية، بل تحتضنها وتعيد ترتيبها على قاعدة الاحترام والتكامل.
نريد وطنًا لا يُطلب فيه من أحد أن يُنكر لغته أو أصله أو ثقافته كي يكون مواطنًا، بل وطنًا يشعر فيه الجميع أنهم ينتمون دون خوف أو خضوع أو إنكار.
وأكتب من أجل عدالة في تقسيم الثروات، لأن الثروات ملك الشعب كله، ولا يجوز أن تكون مكافأة للموالين وعقوبة للرافضين، نريد اقتصادًا ديمقراطيًا، يتوزع فيه الإنتاج والاستثمار والتنمية بين كافة المناطق، وينهض فيه كل جزء من سوريا على أساس الحق لا المنة.
وأكتب من أجل المرأة، فالمرأة ليست تفصيلًا في النضال، بل أساسه، ولا يمكن بناء سوريا ديمقراطية دون تحقيق تمثيل متساوي بنسبة 50%، في كل مجلس، وفي كل قرار.
من لا يرى المرأة كقائدة، لا يفهم الثورة، ولا يحترم الدماء التي سالت في سبيلها.
وأكتب من أجل اللغات – لغات الذاكرة والأمهات، فاللغة ليست صوتًا فحسب، بل هويةٌ وحقٌ وتاريخ.
في سوريا الجديدة، يجب أن يُعترف بجميع اللغات الأم كلغات رسمية، وأن تُصان، وتُدرّس، وتُستخدم في الإعلام والثقافة والمؤسسات، فلا كرامة لإنسان يُطلب منه أن يتخلى عن لسانه.
لهذا أكتب، أكتب لأن الثورة لا تزال فينا، لأنها لم تكن تمردًا عابرًا بل مشروعًا ممتدًا.
وأكتب لأن هناك من يعتقد أن الذاكرة تموت، وأننا ننسى. لكننا لم ننسَ.
نحن الذين نحمل تموز في قلوبنا، ونمشي على خطى الذين حلموا بوطنٍ لا يهمّش أحدًا.
سوريا القادمة، لن تكون نسخة من الماضي، بل وطنًا قائمًا على:
اللامركزية، التعددية، الهوية الجامعة، العدالة الاقتصادية، المساواة الجندرية، وحرية اللغات.
لهذا، لن أتوقف عن الكتابة، لأن الحبر حين يكون صوتًا للناجين، لا يجف.
No Result
View All Result