No Result
View All Result
روناهي/ تل حميس ـ تقف “الصالحية” شامخة بين القرى التي تحمل في طياتها عبق الأصالة والتقاليد، التي تعود إلى جذور القبائل العربية، تتألف القرية من ثلاث فئات، تنتمي كل فئة إلى قبيلة معينة وعلى الرغم من هذا التنوع القِبلي، إلا أن ما يميزها، عمق انتماء سكانها إليها، وإلى قيم المحبة والتآخي التي جعلت هذه القرية نموذجًا للتلاحم الاجتماعي.
قرية تجمع بين الماضي والحاضر، وتنسج خيوطًا من العادات المتوارثة التي ما زالت تشكل جزءًا لا يتجزأ من هوية سكانها، فعاداتها الفريدة التي تعكس قوة الروابط الاجتماعية، خاصةً، في المناسبات الدينية كعيد الأضحى وعيد الفطر، الشاهد الأكثر عمقاً لقوة الحفاظ على الروابط بين سكانها.
الروابط الاجتماعية لأهالي الصالحية
وخلال زيارة صحيفتنا “روناهي” قرية الصالحية، الواقعة غربي مدينة تل حميس، والتي تتميز ببيوتها الطينية البسيطة، التقينا أحد سكانها “محمود العيشان“، والذي حدثنا عن تمسك أهالي القرية بالعادات المتوارثة عن أجدادهم: “تتألف قرية الصالحية من ثلاث فئات رئيسية، كل فئة تنتمي إلى قبيلة عربية عريقة، وعلى الرغم من هذا التنوع القبلي، فإن الانتماء إلى القرية والمجتمع المحلي هو الرابط الأقوى الذي يجمع سكانها، فلطالما كانت الصالحية نموذجًا للوحدة والتآلف، حيث تتجاوز الروابط القبلية لتصب في بوتقة واحدة، وهي بوتقة المحبة والتآخي”.
وتابع: “إن هذه الوحدة ليست شعاراً، بل واقعاً يعيشه سكان القرية يوميًا، ويتجلى في تعاونهم في كل صغيرة وكبيرة، بدايةً من الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية والدينية، وبذلك، أصبحت هذه القرية مثالًا حيًا على كيفية تعايش القبائل المختلفة في إطار من الاحترام المتبادل وروح الجماعة”.
عادات أهل القرية
وأضاف العيشان: “إن ما يميز قريتنا بشكل خاص الطقوس الفريدة، التي نقوم بها خلال عيد الأضحى وعيد الفطر، حيث يجتمع سكان القرية بأكملهم في المسجد صباح يوم العيد لأداء صلاة العيد، في مشهد يعكس روح الوحدة والإيمان، وهذه الطقوس من أبرز مظاهر التلاحم الاجتماعي”.
وأفاد العيشان: “وبعد الصلاة، تبدأ واحدة من أهم العادات التي تشتهر بها القرية، وهي عادة تقديم الموائد، تفرض التقاليد على كل بيت في القرية إعداد مائدة أو صينية ضيافة تحتوي على أطباق متنوعة مثل المنسف أو اللحوم أو غيرها من الأطعمة الشهية، ويحرص الجميع على أن تكون هذه الموائد عامرة وكريمة، تعبيرًا عن الكرم وحسن الضيافة”.
وأردف: “والذي يضفي جمالًا خاصًا على هذه العادة، هو الترتيب الذي يجلس فيه الناس لتناول الطعام، حيث يبدأ الأطفال أولًا بالجلوس على الموائد، يليهم كبار السن، ثم الأشخاص في منتصف العمر، وهذا الترتيب ليس مجرد تقليد بل يعكس الاحترام والتقدير الذي يكنه أهل القرية لكل فئة عمرية، كما أنه يحمل في طياته رسالة واضحة عن أهمية رعاية الأطفال واحترام الكبار”.
التنقل بين الموائد.. عُرف اجتماعي
ومن العادات الفريدة في قرية “الصالحية “، عدم الاكتفاء بتناول الطعام من مائدة واحدة، بل يتحتم على كل شخص التنقل بين الموائد المختلفة، بحيث يتذوق الأطعمة التي أعدتها العائلات المختلفة، وعلى الرغم من أن البعض يفسر هذه العادة على أنها فرصة لتجربة أطعمة متنوعة، إلا أن الهدف الأساسي منها تعزيز الروابط الاجتماعية، حيث يتشارك الجميع الطعام والحديث في أجواء مفعمة بالمودة والألفة.
وأشار العيشان إلى أن الأمر اللافت في هذه العادة، هو أن كل شخص يُفسح المجال للآخرين للجلوس مكانه إذا طلب منه ذلك، إنها صورة رائعة للتعاون والتسامح، حيث يسود الاحترام المتبادل بين الجميع.
وأكد، على إن هذه العادات ليست تقاليد، بل جزءاً من هوية أهل القرية، وتعبيراً عن قيمهم العريقة، التي ورثوها عن الأجداد.
كما أشار العيشان، إلى أن التزام أهل الصالحية بهذه العادات لا ينبع فقط من كونها تقاليد موروثة، بل لأنها قيم تحمل في طياتها معاني كبيرة من الاحترام والمحبة والتعاون، فيرى سكان القرية أن هذه العادات تعود بهم إلى “الزمن الجميل”، حيث كانت القيم الإنسانية هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع”.
فالتزام أهل الصالحية بهذه العادات، رغم التغيرات التي طرأت على العالم من حولهم، يعكس حرصهم على الحفاظ على هويتهم الثقافية والاجتماعية، وهو ما يجعل القرية نموذجًا يُحتذى به في كيفية الحفاظ على التقاليد، مع التكيف مع متطلبات العصر الحديث.
وفي الختام، بين المواطن “محمود العيشان”، أن قرية الصالحية لوحة اجتماعية رائعة تعكس قيم المحبة والتعاون والتآخي، وعلى الرغم من تنوع القبائل التي ينتمي إليها سكانها، إلا أن قريتهم هي الرابط الأقوى الذي يجمعهم، ويجعلهم يعيشون عائلة واحدة.
وأضاف: “إن عادات أهل قرية الصالحية، خاصةً، تلك المتعلقة بالأعياد، تعكس روح الكرم والتلاحم الاجتماعي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتهم. وبينما يتنقل الأطفال والكبار بين الموائد، يتنقل معهم عبق الماضي الجميل الذي يذكرهم بأهمية الحفاظ على التراث والقيم الأصيلة، ففي عالم يميل إلى الفردية، تظل قرية الصالحية مثالًا حيًا على أهمية الروابط الاجتماعية، وعلى قدرة المجتمعات المحلية على الحفاظ على هويتها الثقافية في وجه التغيرات”.
No Result
View All Result