فيروز مخول
قصيدة “في حضرة البرد” للشاعر أحمد النظامي، قصيدة تفيضُ دفئًا إنسانيًا رغم أنّها تناجي “البرد” نفسه، ذاك الكائن المجازي الذي لا يكتفي بلسعة الجسد بل يُغرَس في الروح، ويوقظ فيها ما طُمر من أوجاع.
الشاعر هنا لا يكتفي بوصف حالة طقسٍ قاسٍ، بل يفتح للبرد بابًا ليصبح شاهدًا على ما هو أقسى: أرملة تشوي الحكاية بدل الطعام، وطفلة تضحكها الريح ثم يسعل الورد خلفها، في صورة رمزية مذهلة لإطفاء الفرح وسط برودة الظروف، وقسوة الحياة.
تتداخل في النص لغة الرثاء والاحتجاج، والتوسل والرفض، في تناوبٍ محكم بين المشاعر والبلاغة. فالبيت يرتعد، والخيمة تبكي، والكلمات توشك أن تموت من شدّة القصد.
في وسط ذلك، يطلب الشاعر من البرد أن “يَقف”، لا كتهديد، بل كرجاء واعتراف بأن الشعر نفسه قد تعب.
قصيدة ذات بعد إنساني عميق، تصوغ المعاناة اليومية في مشهدية شعرية آسرة، وتجمع بين الإحساس المرّ والصور الشعرية الحيّة التي تتسلل إلى القلب بلا استئذان.
في حضرة البَرْد
أحمد النظامي
هل التحفتَ سوانا
أيها البَرْدُ؟!
وهل لقُربك في رأس
الدجى بُعدُ؟!
هلِ امتلأتَ ضجيجاً
من مواجعنا
وهل،
وهل كَلّ فيك العزمُ
والجهدُ؟!
ها قد مكثت
زحافاً لا يبرره
دفءُ الفصول
ولا يشتاقه رعْدُ
عفواً إذا اهتزّ صدرُ البيت
وارتعدت
أبوابُهُ،
واكفهَرّ الصوتُ والجلدُ
عفواً ففي الخيمةِ العشرين
أرملةٌ
تشوي الحكايةَ؛
كي يستأنسَ الوجدُ
وطفلةٌ في مهبِّ الناي
ضحكتُها
تذويْ،
وخلف صداها يسعلُ الوردُ
قف أيها البردُ؛
إجلالاً لقافيةٍ
نامت عن الحصةِ الأولى
كما يبدو
قف واغضض الكف إحساساً
بها وبنا
وبالقصيدة
إن أودى بها القصدُ
عُد للأمام قليلاً
نصف أغنيةٍ
فإن للصبر سيفاً
خانه الغمدُ.