No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ في مواجهة أزمة النفايات وارتفاع البطالة، يبرز مشروع “كوبراتيف بهار” كنموذجٍ فريد يجمع بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، موفراً فرص عمل لأكثر من 6000 عائلة وتحويل المخلفات إلى موارد صناعية محلية تدعم الاقتصاد المجتمعي.
في مشهد يتجاوز حدود إعادة التدوير، ينهض مشروع “كوبراتيف بهار” في الرقة بوصفه تجربة رائدة تجمع بين البعد البيئي والبعد الإنساني، متخطّيا المفهوم النمطي للصناعات التحويلية، لينتقل إلى ميدان التنمية المجتمعية المستدامة. فمنذ انطلاقته في عام 2023، أسّس المشروع ثقافة جديدة نحو النفايات كموارد ذات قيمة، وليس مجرد مخلفات يجب التخلص منها.
وجاءت فكرة إنشاء المشروع استجابة مباشرة لتحديات بيئية ومعيشية واجهها المجتمع المحلي في الرقة والمناطق المجاورة، وتحولت تدريجياً إلى منصة إنتاج تشاركية بين الأهالي. ففي الوقت الذي تعاني فيه المنطقة من ارتفاع معدلات البطالة وتراجع البنية الاقتصادية، استطاع “بهار” خلق مساحات جديدة للعمل، وتوفير فرص لأكثر من 6000 عائلة في عام واحد فقط.
وتعد منهجية العمل في المشروع مرآة حقيقية لفكرة التعاون الأهلي، إذ يعتمد على جمع وفرز وتوصيل المواد الأولية للمصانع، وفقاً لشروط ومعايير صحية واقتصادية دقيقة. هذا المسار لا يخدم فقط الجانب الاقتصادي بل يساهم أيضاً في تحسين الواقع البيئي والصحي عبر خفض نسبة النفايات العشوائية المنتشرة.
الهدف بناء أساس صناعي محلي
ولا تقتصر الرؤية على تحصيل الفائدة الآنية، بل يتعداها إلى بناء نموذج إنتاجي يمكن توسيعه مستقبلاً ليشمل قطاعات جديدة في الاقتصاد المحلي. هذه الرؤية التكاملية كانت ممكنة بفضل الجهود المتواصلة للمؤسسين، وعلى رأسهم مدير المشروع “محمد الحسين”، الذي كشف عن حجم الإنجاز والتحديات، منذ بداية المشروع: “عملت على ترسيخ أهمية المشروع منذ اللحظة الأولى، لأننا رأينا فيه حلاً جذرياً لمشكلات النفايات والبطالة على حد سواء”.
وأضاف: “أسسنا هذا المشروع على فكرة تدوير النفايات التي نراها فرصة، بينما يراها البعض عبئاً، واستطعنا من خلالها بناء أساس صناعي محلي”.
وبين: “قمنا بتجهيز المواد وجمعها وتسليمها للمعامل وفق قواعد ومعايير دقيقة، ما ساعدنا على إنشاء سلسلة إنتاج كاملة تخدم اقتصادنا، كما ساعدنا المشروع على تغيير الواقع الذهني للمجتمع، إذ بدأ الناس يدركون أن النفايات يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية تخدم البلد وتوفر دخلاً”.
وأوضح: “عالجنا جانباً صحياً مهماً، لأن تراكم النفايات في المناطق السكنية كان يشكل خطراً كبيراً، ونجحنا في تنظيمها والحد من انتشار الأمراض، ووفرنا من خلال المشروع آلاف فرص العمل، وساهمنا في تقليص نسب البطالة، خصوصاً في المناطق التي شهدت تهميشاً طويلاً مثل منبج والرقة”.
حل شامل لمشكلة النفايات
وفي بداية عام 2023، تأسس مشروع “كوبراتيف بهار” كمحاولة لتقديم حل شامل لمشكلة النفايات في شمال وشرق سوريا، وكان تركيزه الأول على مدينة الرقة التي تعاني من ضعف البنية التحتية البيئية. انطلق المشروع بخطواتٍ صغيرة، لكن سرعان ما توسّع ليشمل مناطق أخرى مثل منبج، حيث شهد مشاركة كثيفة من الأهالي.
واستطاع المشروع استقطاب أكثر من 1500 عائلة في الحسكة، وما يقارب 2500 عائلة في الرقة، بينما تجاوز عدد المشاركين في منبج الـ 6000 عائلة، هذا التوسع لم يكن عشوائياً، بل بني على قاعدة صلبة من التدريب والتجهيز، وتوفير أدوات عمل محلية تتناسب مع طبيعة النفايات المتوفرة. تم تجهيز آلات وأدوات خاصة لمعالجة الكرتون، البلاستيك، الألمنيوم، وحتى المواد التي لم تستخدم بعد ما تزال ضمن خطة التطوير المستقبلي.
وبحسب الحسين، المشروع يرسل هذه المواد إلى مصانع متخصصة مثل مصنع “دالول للكرتون، ومصنع الطارق للبلاستك، بالإضافة إلى مصانع الألمنيوم التي تستخدمه في تطبيقات التدفئة والتبريد”. كل مصنع يتعامل مع المادة التي تناسب خط الإنتاج لديه، ما يخلق شبكة صناعية متكاملة ذات طابع محلي.
وما ميز المشروع أيضاً هو الانفتاح على فكرة التسعير العادل، إذ نوه الحسين إلى “إن المشروع يسعى لتوفير أسعار خاصة للمواد المعاد تدويرها، حتى لا يتحكم التجار في السوق، بل تصبح المواد متاحة لمصانع المنطقة دون احتكار. هذا النموذج يساعد المصانع على الاستمرار، ويمنح المشروع قوة اقتصادية من خلال خلق دورة إنتاجية شاملة تبدأ من فرز النفايات وتنتهي بمنتجات قابلة للاستخدام”.
مشروع “بهار” نموذج للتنمية المجتمعية
ولم يكن “بهار” مجرد مشروع اقتصادي أو بيئي، بل تحوّل تدريجياً إلى منصة للتكافل الاجتماعي، ومصدر رزق لآلاف العائلات التي تعيش في ظروف صعبة، هذه التجربة تثبت أن المجتمعات قادرة على النهوض بذاتها حين تتوفر لها الأدوات والرؤية السليمة.
وقد تكون النفايات في نظر الكثيرين مشكلة، لكنها في نظر الحسين وفريقه، فرصة لإحداث تغيير حقيقي. المشروع ليس فقط حلاً لحالة بيئية متدهورة، بل أيضاً وسيلة فعالة لتقوية المجتمعات الهشة.
ومن المتوقع أن يستمر المشروع بالتوسّع ليشمل مواد جديدة لم يتم إدراجها بعد، مثل بعض أنواع البلاستيك والمعادن، كما يسعى القائمون عليه لتحسين كفاءة الآلات وتطوير خطوط إنتاج متخصصة تتناسب مع احتياجات كل مصنع.
واختتم مدير مشروع كوبراتيف بهار “محمد الحسين” حديثه: “هذا المشروع لم يكن حكومياً أبداً، بل مبادرة شعبية شارك فيها الأهالي، وتحولت إلى مركز إنتاج يغير حياة الناس”.
وبهذا، يظل “كوبراتيف بهار” شهادة حيّة على أن الحلول ليست دائماً خارجية أو مكلفة، بل يمكن أن تنبع من المجتمع نفسه، عندما يمتلك العزم والخيال والمثابرة.
No Result
View All Result