هيفيدار خالد
منذ أسابيع، ومدينة السويداء السورية محاصَرة بالحرائق وتهديدات الانتقام العشائري من كل حدب وصوب. الشوارع مقفرة، والصدمة والحزن يخيمان على كل مكان، بعد أيام قاسية من حفلة الجنون التي شهدتها المدينة مؤخراً.
في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة جنوب سوريا، سُفكت دماء الأبرياء، وارتُكبت انتهاكات يندى لها جبين الإنسانية، شملت إعدامات خارج إطار القانون، وقتلاً تعسفياً، وخطفاً، وتدميراً لممتلكات خاصة، ونهباً لمنازل المدنيين الدروز، الذين دبّ في نفوسهم الخوف والهلع من صرخات عناصر الحكومة الانتقالية وهم يهتفون “خنازير” و”كفار” أثناء الهجوم، في مشهد لا يُرى إلا في أفلام الجريمة والعنف.
كما استخدمت العناصر المهاجمة شفرات حلاقة ومقصات وآلات حلاقة كهربائية لحلاقة شوارب رجال من الطائفة الدرزية، في تصرف مهين تجاه مكوّن يصارع من أجل الحفاظ على خصوصيته ووجوده، الذي بات مهدَّداً بالخطر. جميع الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت استُخدمت لتأجيج الكراهية الطائفية بين أبناء الشعب السوري الواحد، بدءاً من التصفيات الجسدية، وعمليات التطهير الديني والطائفي والقومي، إلى الشعارات الطائفية والخطابات العنصرية، وما خلّفته هذه الأحداث من تداعيات تتجاوز بكثير نتائجها الميدانية. ومن المؤكد أن هذه الأحداث تأتي في سياق تعميق الأزمة السورية أكثر فأكثر، وسط توترات إقليمية متصاعدة تُنذر بإعادة تشكيل الخرائط الميدانية والسياسية غير المعلنة، التي ترسمها مراكز القوى الإقليمية والدولية في جنوب سوريا.
الأحداث التي شهدتها السويداء تمثل تطوراً لافتاً، ومن الضروري التوقف عندها ودراسة تداعياتها بعيدة المدى، لما لها من أثر بالغ على النسيج الوطني. فالاشتباكات التي وقعت هناك لم تكن مجرد نزاع طائفي محلي كما يزعم البعض، بل تجسّد طبيعة التحديات التي تواجهها الحكومة الانتقالية في سوريا. واستمرار هذه التوترات يمهّد الطريق لحرب أهلية يصعب التنبؤ بنتائجها، لكنها ستكون كارثية بكل تأكيد على المنطقة بأسرها.
الأوضاع الأخيرة في الجنوب السوري، وعجز الحكومة عن ضبط عناصرها في ما يُسمى “وزارة الدفاع”، كشفت هشاشة الوضع السوري عموماً، وضعف السلطة الحالية من مختلف النواحي. وقد اتضح للجميع أن سياسة الحكومة القائمة على فرض هوية واحدة على المجتمع بالعنف والقسر، لا تجلب للمنطقة سوى المزيد من العنف والدمار وسفك دماء الأبرياء. من جهة أخرى، فشلت الدولة السورية في احتواء الوضع، بعد أن خرج عن سيطرتها، وانعكست الأحداث سلباً عليها. وقد أكد مسؤولون أوروبيون أن من ارتكبوا المجازر بحق الدروز تابعون للسلطة الحالية في دمشق.
الجميع يعلم أن حماية الدروز ليست من أولويات القوى الإقليمية والدولية في الوقت الحالي. فالجميع يسعى إلى نيل حصته من الكعكة السورية. وتعمل إسرائيل على ترسيخ نفوذها في المنطقة، وحماية حدودها، وتأمين مصالحها الاستراتيجية. وبالتزامن مع المجازر التي ارتُكبت بحق الدروز في سوريا، عاد الحديث عن “ممر داوود” إلى الواجهة من جديد، وسُلّط الضوء على أهميته وطوله. وهو الممر الذي يسعى نتنياهو من خلاله إلى تحقيق ما يُسمى “إسرائيل الكبرى”.
يمتد هذا الممر من مرتفعات الجولان، ويعبر جنوب سوريا وصولاً إلى نهر الفرات، بهدف ربط “إسرائيل” بالمناطق الشمالية في سوريا والعراق. ويهدف المشروع إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية، منها فك العزلة الجغرافية، وتعزيز الحركة التجارية، والسيطرة على موارد طبيعية مهمة، بالإضافة إلى تعزيز النفوذ الإقليمي الإسرائيلي.
نعود إلى الوضع السوري، وتحديداً محافظة السويداء، التي تحوّلت من مدينة حضرية نابضة بالحياة، إلى منطقة منكوبة تكافح للبقاء وسط الكارثة، نتيجة الممارسات والجرائم التي ارتُكبت بحق المجتمع الدرزي، والتي تُعد من أكثر الانتهاكات فتكاً في تاريخ سوريا الحديث.
وفي ظل ما تشهده السويداء من مآسٍ ومعاناة، تواجه سوريا تحديات كبيرة، نتيجة التدخلات الإقليمية والدولية، وعجز الحكومة الحالية عن إدارة الملفات التي كان ينبغي احتواؤها في الوقت الراهن.
وقد أكدت تقارير إعلامية أن لتركيا دوراً تخريبياً أيضاً في تأجيج الأوضاع هناك، وضرب النسيج السوري، بهدف تحقيق أطماعها التاريخية، وعدم خسارة المعركة التي بدأتها في سوريا، لتضمن لها موطئ قدم في هذه الجغرافيا المهمة لجميع المتداخلين في الملف السوري.
لذلك، فإن المشهد السوري مفتوح على كل السيناريوهات في الوقت الحالي، إذ أصبحت الأرضية مهيأة لكل شيء. وإذا لم يتم وقف سفك الدماء والعنف، ولم تُحمَ حياة المدنيين، ولم تُفتح تحقيقات مستقلة وسريعة وشفافة في كل أعمال العنف التي ارتُكبت مؤخراً بأيدي عناصر تابعة للسلطة، ولم يُحاسَب كل المسؤولين عن هذه الانتهاكات، لا سيما العناصر المنفلتة التي قطعت رؤوس الأبرياء، فإن البلاد ستنحدر أكثر نحو الكارثة.
الطريق الوحيد للخلاص يمر عبر الحوار لا الانتقام، وعبر التفاهم لا الإقصاء، وعبر احترام التعددية لا فرض لون واحد على الجميع.
على السوريين أن يقرّروا مصيرهم بأنفسهم، عبر آليات حوار منهجية حقيقية، لا من خلال العنف أو الضغط العسكري. المطلوب اليوم هو إطلاق حوار وطني جاد، يقوم على احترام خصوصية كل مكوّن، وكل هوية دينية وعرقية وثقافية في البلاد.
ما جرى في السويداء هو دليل واضح على أن السلطة الجديدة في دمشق لا تريد لسوريا أن تكون بلداً تعددياً، تعيش فيه جميع المكونات بحرية، وتحافظ على ثقافتها وعاداتها وطقوسها. المكونات السورية تواجه اليوم امتحاناً صعباً وتحديات خطيرة، ولا يمكن للشعب السوري أن يقبل بهذه العقلية الإقصائية الرجعية، التي تعرقل التعايش المشترك، وتؤجج الفتن. ينبغي إيجاد سبل عاجلة للخروج من هذه الأزمة المتفاقمة، وقطع الطريق على المستفيدين من استمرار الفوضى، والعمل من أجل أن تستعيد سوريا مكانتها كرمز لأخوّة الشعوب والعيش المشترك، لا كساحة صراع ودمار وخراب وإرهاب.