مصطفى عبدو
إلى متى ستعاني سوريا من ويلاتها وموروثاتها وتناقضاتها وجيرانها؟
لم يتمكن أكثر المحللين السياسيين شُهرة من التوقع أو التنبؤ بما وصلت إليه الأوضاع في سوريا. كثيرون منهم “توقعوا، حللوا، قدموا قراءات، حذّروا من خطورة النتائج” لكنهم لم يتوقعوا يوماً أن تصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم.
ماضٍ مندثر وحاضر مدَّمر ومستقبل مجهول! فما قدَّمُوه وطرحوه وناقشوه كانت مجرد مسلّمات ونتائج لثورات سابقة، فما يفاقم من الأزمات اليوم هي أبعاد أخرى وأيدي أخرى.
سابقاً كان يمكن التوقع أو التنبؤ بالأحداث أو التقرب منها من خلال ربط الأحداث ببعضها، لكن الآن وبعد كل ما وصلنا إليه من خلط للأوراق وتلاشي الرؤى وتأثير مجموعة من التدخلات المدمرة؛ يبدو أن البوصلة تتجه نحو أحداث أكثر كارثية ووضع لا حدود له من الألم.
حتى وحين تسلل شعاعُ أملٍ خافتٍ ومتمردٍ على البلاد، سرعان ما اصطدم هذا الشعاع بواقع غارق في السواد يتناسل فيه المصالح والأجندات الغريبة. فكيف لمن أراد وضع صخرة الماضي على صدره ويتسلح بالماضي للقضاء على حاضره أن يفكر بالمستقبل؟
سنوات من المآسي والفقد والشتات وتفكك النسيج الاجتماعي دفع فيها الجميع كلفةً باهظة وما زلنا مُصرِّينَ على دفع الثمن.
الأوضاع الراهنة تضع الشعب السوري أمام خيارين لا ثالث لهما، أحدهما يكمن في الرضوخ لمشاريع الظلام وقيادة نخب وكأنها خرجت لتوها من أدران العصور الوسطى لا تملك أية مشاريع وطنية جامعة وليس في نيتها القبول بالآخر ولا البحث عن حلول تخفف من معاناة الشعب وتوصله إلى بر الأمان وتفتح الأبواب للسلام والعيش المشترك.
هذا الخيار المظلم حيث تختلط فيه الأزمنة بالأمكنة هو ما يدفع الشعب السوري للخيار الثاني وهو خيار المواجهة، مواجهة من يتحكم بحياتنا وحاضرنا ومستقبلنا وبمصائر الشعوب دون تفويض منها.
ضمن هذه الفوارق الأيديولوجية والسياسية يترتب على شعوب سوريا التي زُجَّت في فوضى عارمة وأُقحِمت في اشتباكات طاحنة؛ عليها أن تقول كلمتها وتستعد لمواجهة متطلبات المرحلة وأن ترسم مستقبل تصنعه إرادة جميع الشعوب السورية، فلقد نَفِدَ الصبر، وحان الوقت إن لم يكن من أجل مستقبلنا فمن أجل مستقبل أطفالنا، ومن أجل أن يكون هناك مستقبل، فاستمرار مشاريع الموت لن يكون أثرها على الحاضر فقط بل وعلى القادم أيضاً.
بصراحة، لا راحة للشعوب السورية إلا بعد أن يصبح المجتمع السوري كتلة وطنية منسجمة بكل أطيافه وتبدأ عمليات إلغاء لكل ما جرى من أخطاء وتُعاد البناء السياسي الحقيقي على أسس وطنية حقيقية مع تفاعل عوامل ذات صلة بقضايا متباينة إقليمية ودولية.
إلى ذلك الحين نتمنى أن تتبلور متغيرات مهمة تجعل سوريا كما يحلم بها جميع الشعوب السورية.